خاص – Syria One
تصريح أدلى به السفير الإيراني لدى الهند لوكالة رويترز، مرّ مرور الكرام كما يقال، لكنه يستحق الكثير من الحديث والبحث، قال السفير محمد فتح علي: "إيران لديها نفط وجاهزة لبيعه لمن يريد".
من تابع تفاصيل الحرب الكبيرة والمدمرة التي استمرت لأكثر من أربعين يوماً على إيران، سيجزم أن صادرات إيران من النفط توقفت تماماً، إذ من المستحيل نظرياً أن يمر النفط الإيراني - ونحن نتحدث هنا عن ناقلات عملاقة وليس سُفناً صغيرة - ويصل إلى وجهاته، وكل أنواع الطائرات الحربية تغطي سماء إيران، والمدمرات وحاملات الطائرات تملأ البحار والمحيطات، ناهيك عن الاستهداف مباشر للبنية النفطية الإيرانية!
والأغرب أن إيران لم تحافظ فقط على تدفق نفطها، بل رفعت صادراتها في بعض الفترات إلى مستويات تقارب مليوني برميل يومياً، وهو أعلى مستوى منذ سنوات! فما الذي يحدث فعلاً؟
منظومة خفية
ببساطة، الجواب يتألف من كلمتين فقط، كلمتان وراءهما ما وراءهما: اقتصاد الظل.. واقتصاد الظل الإيراني، ليس وليد هذه الحرب ولا حتى حرب الإثني عشر يوماً في حزيران الماضي، بل اقتصاد بنته طهران على مدى سنوات، فما تفاصيله؟
بحسب مواقع ووسائل إعلام ومراكز دراسات متخصصة ومتعددة، تعتمد إيران على شبكة عالمية من ناقلات النفط، تُعرف بـ"أسطول الظل"، وهي سفن قديمة أو مجهولة الملكية، تقوم بتغيير أسمائها وأعلامها بشكل دوري، وتطفئ خلال تنقلها أنظمة التتبع لتفادي المراقبة.
هذه الناقلات لا تنقل النفط بشكل مباشر فقط، بل تستخدم تقنية نقل الشحنة من سفينة إلى أخرى في عرض البحر، ما يجعل تعقب مصدر النفط شبه مستحيل. وبمعنى آخر: لا يباع النفط الإيراني كـ"إيراني"، بل يتحول إلى نفط مجهول الهوية، وفي بعض الحالات، يُعاد تصنيفه على أنه نفط ماليزي، أو عراقي، وذلك بعد خلطه أو إعادة شحنه، ثم يدخل الأسواق العالمية بشكل قانوني ظاهرياً. هذه العملية تشبه "غسيل النفط" إن صح التعبير، وليس فقط تهريبه.
ولا يقتصر الأمر على النقل البحري، بل يتجاوزه إلى البري أيضاً، وفي هذا الجزء تحديداً، تلعب دول الجوار دوراً محورياً، خصوصاً العراق، الذي يُعتبر بوابة رئيسية لتصريف النفط الإيراني عبر شركات وهمية وشبكات تجارية معقدة.
الصين.. عملاق الاستهلاك
ما سبق هو جزء من العملية، ويبقى أجزاء، فالنفط المباع أو المهرّب، يحتاج لزبون، وهنا تظهر الصين التي تستهلك 16.4 مليون برميل يومياً، أي حوالي 16% من إجمالي الاستهلاك العالمي، والصين زبونُ نفط إيراني لا يمكن الاستغناء عنه، ولا يمكنه هو أيضاً الاستغناء عن النفط الإيراني الذي يتجه حوالي 90% منه إلى الصين، وتحديداً إلى مصافي مستقلة صغيرة تُعرف بـ"أباريق الشاي".
هذه المصافي لا تلتزم عملياً بالعقوبات الأمريكية، وتشتري النفط الإيراني بأسعار مخفضة، وأحياناً بخصم يصل لعدة دولارات أقل من سعر السوق. وهنا المفارقة، تصدير أكثر، لكن بمرابح أقل. وهذا طبيعي، فمشتري النفط المهرّب، سيستغل الأمر بكل تأكيد، وسيحصل على أسعار أرخص مقابل المخاطرة السياسية، لأن الموضوع أكبر من مجرد صفقات، فهناك شبكة وعدة طبقات من الوسطاء تمر عبرهم العمليات كلها ليتم البيع والشراء.
عملات مشفرة ومقايضات
أما الجزء الثالث والأهم من العملية، هو ثمن هذا النفط، كيف ستتقاضى إيران أموال هائلة في خضم العقوبات المفروضة عليها والحصار الذي ما ينفك يزداد أكثر فأكثر؟
هنا ننتقل من مصطلح "اقتصاد الظل" إلى "الاقتصاد الموازي" الذي يعمل خارج النظام المالي العالمي، لكنه مرتبط به بشكل غير مباشر.
فبسبب القيود على التحويلات البنكية، لجأت إيران إلى أدوات بديلة، مثل العملات المشفرة لتسوية بعض المدفوعات، وأحياناً على صفقات المقايضة (نفط مقابل سلع أو خدمات)، ما يقلل الحاجة إلى الدولار والنظام المالي الخاضع للرقابة الغربية.
وبغض النظر عن كل ما سبق، هناك سؤال مهم جداً لا يمكن تجاوزه أو إهماله، وهو هل ما تزال البنى التحتية النفطية الإيرانية تعمل بعد كل هذه الحرب؟
الجواب هو نعم، فرغم الضربات والتوترات، لا تزال منشآت التصدير الرئيسية - خصوصاً في جزيرة "خارج" - تعمل وتصدر نحو 90% من النفط الإيراني، كما أن مرور النفط عبر مضيق هرمز لم يتوقف تماماً، ما يعني أن الحرب لم تنجح حتى الآن في خنق الشريان النفطي الإيراني بشكل كامل.
باختصار؛ ما فعلته إيران ليس مجرد تهريب للنفط، بل قامت عبر عقود من الزمن ببناء منظومة كاملة تيسّر لها هذا الأمر، منظومة تتضمن أسطولاً بحرياً غير مرئي تقريباً، وأسواقاً بديلة تقودها الصين، وشبكة وسطاء دولية، وأدوات مالية خارج النظام المصرفي، وإعادة تدوير لهوية النفط نفسه.
لكن كل هذا له ثمن، فإيران التي تبيع أكثر، تخسر جزءاً غير قليل من أرباحها لصالح الوسطاء والخصومات القسرية.






