مجتمع

الأميرة والشيخة عنود الطائية.. فروسية وحضور سياسي وكرم تجاوز حدود القبيلة

72
الأميرة والشيخة عنود الطائية.. فروسية وحضور سياسي وكرم تجاوز حدود القبيلةعبدالرحمن السيد

في عمق البادية السورية، حيث كانت الفروسية والزعامة والكرم جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، برزت امرأة استطاعت أن تحجز لنفسها مكاناً في مجالس الرجال، وأن يكون لها رأي مسموع وحضور فاعل في شؤون القبيلة والمجتمع.


الشيخة عنود النايف العبد الرحمن الطائية، واحدة من الشخصيات النسائية التي بقي اسمها حاضراً في ذاكرة قبيلة طي والجزيرة السورية.


ارتبطت سيرتها بالفروسية والكرم والحكمة وقوة الشخصية، كما عُرفت بحضورها في القضايا العشائرية والاجتماعية، وبقدرتها على التعامل مع ظروف سياسية واجتماعية معقدة شهدتها المنطقة خلال حياتها.


كانت عنود، بحسب الروايات العائلية وما أورده الباحثون عنها، صاحبة شخصية قوية وحضور لافت، ولم تكن تتردد في إبداء رأيها أو المشاركة في القضايا التي تخص قبيلتها. وقد جعلتها هذه الصفات موضع احترام لدى أبناء قبيلتها، كما امتد حضورها إلى محيطها الاجتماعي وعلاقاتها مع العشائر والفعاليات المختلفة في الجزيرة.


وللاقتراب من سيرتها، نستند في جانب من هذه المادة إلى رواية حفيدها الشيخ ضاري محمد الفارس الطائي، ابن ابنها الوحيد الشيخ محمد الفارس الطائي، وإلى ما جمعه الباحث جلال سفان الطائي من معلومات وشهادات حول حياتها ومكانتها ودورها.


نسبها


يقول الشيخ ضاري محمد الفارس الطائي إن جدته الشيخة عنود تنتمي إلى:

عنود النايف العبد الرحمن الحسن الحسين العبد الله العسافي الطائي.


ويرتبط نسبها، وفق الرواية العائلية، بعائلة عرفت بمكانتها في قبيلة طي، كما ارتبط اسمها بسلالة من النساء اللواتي كان لهن حضور معروف في تاريخ البادية السورية.


امرأة في مجالس الرجال


يصف الباحث جلال سفان الطائي الشيخة عنود بأنها كانت غزيرة المعرفة، قوية الشخصية، ذات رأي وحكمة ودقة نظر، إلى جانب ما امتلكته من صفات الفروسية والشجاعة.


كانت حنطية البشرة، ذات نظرات قوية وحضور لافت، وامتلكت صوتاً جهورياً وشخصية آسرة. وتصفها الروايات بأنها كانت تجمع بين الهيبة والبساطة، وتتعامل مع من حولها بثقة ووضوح.


ولم تكن هيئة الشيخة عنود بعيدة عن طبيعة الحياة التي عاشت فيها. فقد كانت ترتدي البنيش، وهو ثوب صوفي طويل له جيوب، وتضع فوقه العباءة، وتغطي رأسها بغطاء أبيض. وكانت تحمل مسدساً من نوع "ويبلي"، كما عُرفت بحمل السيف في بعض المناسبات، في صورة تعكس طبيعة المرأة الفارسة في مجتمع البادية آنذاك.


زواجها ودورها في شؤون القبيلة


تزوجت الشيخة عنود من الأمير فارس المحمد عبد الرحمن، أحد أبرز شيوخ وأمراء قبيلة طي، وعاشت إلى جانبه في مرحلة كانت فيها شؤون القبيلة تتطلب حضوراً مستمراً في المجالس والصلات بين العشائر.


وبعد وفاة الأمير فارس في حادث سير في أواخر أربعينيات القرن الماضي، انتقلت قيادة القبيلة إلى شقيقها الأمير عبد الرزاق النايف الطائي، وهنا برز دور عنود بصورة أكبر، إذ شاركت في إدارة شؤون القبيلة وسعت إلى المحافظة على مكانتها وممتلكاتها، وعلى حقوق ابنها الوحيد الشيخ محمد الفارس الطائي.


وكان الشيخ محمد الفارس الطائي شخصية معروفة في الحياة العامة، وانتُخب عضواً في مجلس الشعب لدورتين، الأمر الذي أضاف إلى حضور الأسرة بعداً سياسياً إلى جانب مكانتها العشائرية.


الفروسية والبأس


لم تكن الفروسية بالنسبة إلى عنود مجرد صورة مرتبطة بمكانتها الاجتماعية، وإنما كانت جزءاً من شخصيتها وحياتها اليومية. وتروي المصادر التي تناولت سيرتها أنها كانت حاضرة في النزاعات التي شهدتها المنطقة بين القبائل، ولا سيما النزاعات المرتبطة بالحدود والمراعي والممتلكات.


كما كان لها دور في تحفيز الرجال وتأمين احتياجات المقاتلين من الذخيرة، وهو ما يعكس طبيعة الدور الذي كانت تؤديه داخل قبيلتها في تلك المرحلة.


وفي الوقت نفسه، لم تقتصر اهتماماتها على الجانب العشائري، فقد امتلكت حساً تجارياً واضحاً، وعملت على المحافظة على ممتلكات الأسرة وتنميتها.


بيتها ومشاريعها


من بين ما ارتبط بسيرتها اهتمامها بالعمران والزراعة. فقد شيدت بيتاً كبيراً في مدينة القامشلي، في منطقة السبع بحرات، وكان من البيوت المعروفة في المدينة، ولا يزال قائماً بعد أن طرأت على المنطقة تغيرات عمرانية خلال العقود اللاحقة.


كما امتلكت بيوتاً في دمشق، في منطقة المزرعة، وفي حلب، بالقرب من محطة بغداد، وكانت لديها في ذلك الزمن عدة سيارات حديثة، وهو أمر لم يكن شائعاً في محيطها آنذاك.


وفي المجال الزراعي، اهتمت بحفر الآبار وتأمين مصادر المياه، ومن بينها آبار في أبو خزف وتل معروف ومناطق أخرى، كما أدخلت الآلات الزراعية الحديثة إلى بعض أراضيها، في محاولة لتطوير الإنتاج الزراعي والاستفادة من التقنيات المتاحة في ذلك الوقت.


كرم يتجاوز حدود القبيلة


لم يكن كرم الشيخة عنود مقتصراً على أبناء قبيلتها، وفق ما ترويه الروايات عنها، فقد كانت حاضرة في المناسبات الاجتماعية والدينية لمختلف أبناء المنطقة، وكانت تربطها علاقات جيدة بأبناء الطوائف والمكونات المختلفة في الجزيرة السورية.


كما كانت على تواصل مع عدد من رجال الدين المسيحيين، ومن بينهم المطران أفرام والبطريرك زكا الأول، وكانت تتدخل في بعض القضايا والمشكلات الاجتماعية، كما كانت تفعل مع أبناء قبيلتها وأبناء العشائر الأخرى.


وعُرفت بمساعدة المحتاجين والفقراء، وتقديم الصدقات، واستضافة المناسبات الدينية، والمساهمة في تزويج الشباب غير القادرين على تحمل تكاليف الزواج.


مواقف ومبادرات


ويروي حفيدها الشيخ ضاري محمد الفارس الطائي عدداً من المواقف التي بقيت متداولة داخل الأسرة.


ومن بينها أنها كانت من أوائل من شجعوا على إقامة الأعراس الجماعية، إذ كانت تتكفل بنفقات زواج عدد من شباب القبيلة، رغبة منها في مساعدة الشباب وتخفيف الأعباء المالية عن أسرهم.


ويروي حفيدها أيضاً أن رجلاً قدم من دمشق لجمع التبرعات لبناء مسجد، فأخبرته الشيخة عنود أن يجمع ما يستطيع من أبناء العشائر الأخرى، ثم يأتي إليها في نهاية الأمر.


وعندما عاد إليها بعدما جمع مبلغاً يقل عن نصف تكلفة البناء، أعطته كامل المبلغ الذي يبني الجامع ، وطلبت منه أن يوزع المال الذي جمعه على الفقراء.


وتبقى هذه الروايات، كما ينقلها حفيدها، جزءاً من الذاكرة العائلية التي تختزن جانباً من شخصية عنود وطريقة تعاملها مع الناس.


حضور في الحياة السياسية


لم يكن حضور الشيخة عنود محصوراً في المجال العشائري والاجتماعي، فقد كان لها اهتمام بالحياة السياسية في سوريا، ولا سيما خلال خمسينيات القرن الماضي.


وتشير المعلومات التي جمعها الباحث جلال سفان الطائي إلى أنها دعمت شقيقها الأمير عبد الرزاق النايف الطائي في الانتخابات البرلمانية، وساهمت في حملته الانتخابية التي أوصلته إلى مجلس الشعب، كما استمر حضورها في الحياة العامة خلال السنوات اللاحقة.


وفي عام 1972، دفعت ابنها الشيخ محمد الفارس الطائي إلى خوض انتخابات الإدارة المحلية، في استمرار لحضور الأسرة في الشأن العام.


كما شاركت في عدد من المناسبات الوطنية والاجتماعية، وكانت لها علاقات جيدة مع الجهات الرسمية وشخصيات اجتماعية وسياسية، الأمر الذي جعلها شخصية مرجعية في محيطها.


علاقاتها ورحلاتها


امتدت علاقات الشيخة عنود خارج الجزيرة السورية، وزارت عدداً من البلدان والمناطق، من بينها العراق وفلسطين والأردن والمملكة العربية السعودية ومصر ولبنان وتركيا.


وكانت زياراتها للأردن تتضمن لقاءات في البلاط الملكي، كما زارت القدس في فلسطين، الأمر الذي يعكس اتساع شبكة علاقاتها وحضورها خارج البيئة التي نشأت فيها.


خيولها وفروسيتها


اهتمت الشيخة عنود بتربية الخيول العربية الأصيلة، وكانت تمتلك عدداً من الخيول المعروفة، ومن الأسماء التي ارتبطت بخيلها: كحيلة، الجد، رانيات، ريشة، حمداني، مرزوقانية.


وكانت الخيل جزءاً من مكانتها وشغفها بالفروسية، كما كانت تربية الخيول في ذلك الوقت مرتبطة بالمكانة الاجتماعية والاقتصادية لأصحابها، ولا سيما في بيئة البادية.


سنواتها الأخيرة ورحيلها


وُلدت الشيخة عنود النايف العبد الرحمن الطائية عام 1920، وعاشت عقوداً شهدت تحولات كبيرة في الجزيرة السورية والمجتمع العشائري والسياسي في المنطقة.


وبقيت حاضرة في شؤون أسرتها وقبيلتها ومحيطها الاجتماعي حتى سنواتها الأخيرة، قبل أن تتوفى في أواخر عام 1978 وفاة طبيعية في منزلها، وتُدفن في مقبرة تل معروف.


رحلت عنود، لكن صورتها بقيت في الذاكرة الشعبية والعائلية للجزيرة السورية؛ امرأة دخلت مجالس الرجال من موقعها كامرأة من البادية، وحملت معها صفات الفارسة والشيخة وصاحبة الرأي، وتركت وراءها سيرة تتداخل فيها الحكاية العائلية مع الذاكرة العشائرية والتاريخ الاجتماعي للمنطقة.


ولعل العبارة الشعبية التي بقيت تُقال في الجزيرة السورية، «صايرة الشيخة عنود»، تختصر جانباً من حضورها في الذاكرة؛ فهي لم تعد مجرد اسم من الماضي، وإنما تحولت إلى صورة تستحضرها الذاكرة كلما ذُكرت المرأة صاحبة الموقف والهيبة والقدرة على إدارة شؤونها ومحيطها.


مقالات ذات صلة

وفاة وثلاثة إصابات بإطلاق نار بريف درعا الغربي

وفاة و3 إصابات بإطلاق نار بريف درعا الغربي

توفيت سيدة وأُصيب ولداها وطفلة من العائلة نفسها اليوم الأربعاء، نتيجة إطلاق نار ‏على خلفية تجدّد خلاف قديم في قرية بيت آرة بمنطقة حوض اليرموك بريف درعا ‏الغربي
237
ماذا فعلت السوشال ميديا بنا؟.. أخصائية نفسية لـ Syria One: المقارنة مع الحياة الزائفة على السوشال أدت لحالات انتحار وتفكك أسر كثيرة

ماذا فعلت السوشال ميديا بنا؟.. أخصائية نفسية لـ Syria One: المقارنة مع الحياة الزائفة على السوشال أدت لحالات انتحار وتفكك أسر كثيرة

قلّما تجد شخصاً لا يعاني مما يشبه الانفصام. ومن أهم الأسباب ما يتركه العالم الافتراضي من صدماتٍ وندوب نفسية حوّلتنا جميعاً لأشخاص تائهين يسعون جاهدين فقط لتحقيق شيء من التوازن النفسي
405
مشردون على أرصفة دمشق.. قصص متكررة والقانون يتعامل معهم كـ متسولين

مشردون على أرصفة دمشق.. قصص متكررة والقانون يتعامل معهم كـ متسولين

على أحد الأرصفة الواقعة في محيط "جسر الثورة"، وسط دمشق، يتخذ "أبو خالد" مكاناً لمبيته اليومي، ولا يعتبر الرجل الذي تجاوز الـ 65 من العمر أن النوم على الرصيف تشرداً، لأنه مجبور على المبيت في الشارع،  لعدم قدرته على استئجار منزل، بعد أن طرده ولده الوحيد من المنزل الذي كانا يسكنان فيه في منطقة سبينة بالطرف الجنوبي من العاصمة
312
طائر السمّان "الفري" يرصد في محافظة طريف السعودية بمنطقة الحدود الشمالية

طائر السمّان "الفري" يرصد في محافظة طريف السعودية بمنطقة الحدود الشمالية

رُصد طائر السمّان "الفري" في محافظة طريف بمنطقة الحدود الشمالية، خلال موسم هجرته السنوية
392
بعد أيام من اختفائها.. العثور على جثمان الطفلة راما المصري في ريف دمشق

بعد أيام من اختفائها.. العثور على جثمان الطفلة راما المصري في ريف دمشق

عثر أهالي مخيم الحسينية في ريف العاصمة السورية دمشق، اليوم الثلاثاء، على جثمان الطفلة راما المصري بعد أيام من اختفائها في ظروف غامضة، وإطلاق مناشدات من ذويها للبحث عنها.
327
سيرياون إعلان 7