تشهد مهنة توصيل الطلبات (الدليفري) في دمشق انتشاراً واسعاً خلال السنوات الأخيرة، لتتحول إلى واحدة من أكثر المهن جذباً للشباب، ولا سيما الطلاب والخريجين، الذين يسعون لتأمين مصدر دخل سريع، سواء بشكل يومي أو أسبوعي، مدعوماً بالإكراميات (البقشيش)، بالتزامن مع انتشار التطبيقات الذكية وشركات التوصيل التي تعتمد نظام الورديات.
نظام مرن ودخل متغير
أحد العاملين في شركات التوصيل عبر تطبيق "بي أوردر" يشرح لموقع Syria one أن مهنة التوصيل تعتمد على نظام دوام مرن، سواء بشكل كامل أو جزئي، مع ضرورة امتلاك وسيلة نقل مثل الدراجة النارية أو الكهربائية، ويتحدد الدخل بناءً على عدد الطلبات المنفذة، حيث يحصل العامل عادة على أجر ثابت إلى جانب البقشيش، الذي يشكل جزءاً مهماً من الإيرادات اليومية.
وتتم عملية الطلب عبر التطبيقات الإلكترونية التي ترسل إشعاراً متزامناً لكل من المطعم أو المتجر وعامل التوصيل، على أن يتم تسليم الطلب خلال مدة لا تتجاوز 40 دقيقة، ما يفرض ضغطاً زمنياً كبيراً على العاملين في هذا القطاع.
ضرورية رغم التكلفة
يشهد الطلب على خدمات التوصيل ارتفاعاً ملحوظاً، بالتوازي مع زيادة تكاليف الخدمة، الأمر الذي بات يثير ملاحظات لدى بعض السكان، رغم استمرار اعتمادهم عليها بشكل يومي.
ويؤكد عدد من أهالي دمشق أن خدمات التوصيل أصبحت ضرورة لا غنى عنها في حياتهم اليومية، حيث تقول "أم عامر" من سكان حي المزة إن "الدليفري وفر علينا الكثير من الجهد، خاصة في ظل الازدحام وصعوبة التنقل"، مشيرة إلى أنها تعتمد عليه بشكل شبه يومي لطلب الطعام والحاجيات.
بدوره، يرى "أبو محمد" وهو من سكان ضاحية قدسيا، أن الخدمة "تفي بالغرض وتختصر الوقت"، خصوصاً بعد ساعات العمل الطويلة، رغم اعتقاده أن الأسعار باتت مرتفعة نسبياً هذه الفترة.
فيما يوضح "علاء" شاب جامعي أن استخدام تطبيقات التوصيل أصبح خياراً أساسياً، "لأنه يوفر علينا عناء الخروج والانتظار، حتى لو كان ذلك مقابل تكلفة إضافية".
في المقابل، يبدي عدد من أهالي دمشق تحفظهم على الاعتماد المتزايد على خدمات التوصيل، معتبرين أنها باتت تشكل عبئاً مالياً غير مبرر، ويقول "عماد" من سكان باب توما: "إن تكاليف الدليفري ارتفعت بشكل ملحوظ، وفي كثير من الأحيان تصبح أعلى من سعر الطلب نفسه"، مشيراً إلى أن الذهاب مباشرة إلى المحال يوفر المال ويضمن جودة أفضل.
وترى سيدة أخرى أن الاعتماد المفرط على هذه الخدمات "خلق نوعاً من الكسل"، مضيفة أن التسوق أو شراء الطعام بشكل مباشر يتيح اختيار المنتجات بعناية أكبر.
كما يلفت آخرون إلى أن التأخير في بعض الطلبات أو وصولها بحالة غير جيدة يجعل تجربة التوصيل غير موثوقة دائماً، ما يدفعهم لتفضيل الطرق التقليدية رغم ما تتطلبه من جهد إضافي.
منافسة التطبيقات
وتسعى شركات التوصيل إلى تحسين خدماتها بشكل مستمر من خلال تحديث التطبيقات، وإدخال أنظمة تقييم وعروض ترويجية، بهدف استقطاب أكبر شريحة ممكنة من الزبائن، في ظل منافسة متزايدة بين هذه الشركات داخل السوق المحلية.
يقول الشاب "عزيز"، وهو أحد العاملين في مجال التوصيل لدى شركة "يلا غو"، إن العمل في هذا القطاع "مرهق وخطر في الوقت ذاته"، خاصة خلال الظروف الجوية القاسية صيفاً وشتاءً.
ويوضح أن القيادة تحت المطر أو الثلج تزيد من احتمالات الانزلاق أو التعرض لحوادث سير، ما يضع العاملين أمام مخاطر يومية.
ويشير إلى أن أجور التوصيل لا تتناسب دائماً مع حجم الجهد المبذول، إذ يتراوح سعر توصيل الطلب بين منطقتي باب توما والمزة بين 30 و40 ألف ليرة سورية، بينما قد يتجاوز 50 ألف ليرة عند التوصيل إلى مناطق الريف، لافتاً إلى أن العائد اليومي يبقى متذبذباً ويعتمد بشكل كبير على طبيعة الزبون.
ويضيف عزيز أن بعض الزبائن يقدمون إكراميات مرتفعة قد تصل إلى 50 ألف ليرة، في حين يمتنع آخرون عن تقديم أي مبلغ إضافي، ما يزيد من حالة عدم الاستقرار في الدخل.
كما يفضل "عزيز" العمل في أحياء مثل المالكي وأبو رمانة والشعلان وكفرسوسة والمزة، حيث يكون مستوى الإنفاق أعلى وفرص الحصول على بقشيش أفضل.
ولا تقتصر التحديات على المخاطر المرورية، بل تشمل أيضاً مخاوف من سرقة الدراجات النارية أو الكهربائية، إضافة إلى تعرض بعض العاملين لمعاملة سيئة من الزبائن، خاصة في حال تأخر الطلب نتيجة ظروف خارجة عن إرادتهم، ما يؤدي أحياناً إلى تحميلهم المسؤولية وحرمانهم من البقشيش، بحسب "عزيز".






