فن

الذكاء الاصطناعي في الدراما العربيّة.. بين حداثة الصورة وتحوّلات الصناعة

46
الذكاء الاصطناعي في الدراما العربيّة ... بين حداثة الصورة وتحوّلات الصناعة

عامر فؤاد عامر


لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي في الدراما العربيّة ترفاً نظريّاً، بل أصبح جزءاً من النقاش الصناعي والنقدي حول مستقبل الإنتاج التلفزيوني، غير أن المتابع الدقيق يلاحظ مفارقة أساسيّة تتموضع من خلال تقنيّة تابعها بصريّاً بوضوح، لكنّها لم تمس بعد البنية العميقة للسرد الدرامي، إذاً نحن أمام مرحلة انتقاليّة، تتقدّم فيها الصورة أسرع من الفكرة.


عربيّاً تترات المسلسلات مختبر الذكاء الاصطناعي الأوّل


أوضح مساحة ظهر فيها الذكاء الاصطناعي كانت تترات المسلسلات، خصوصاً في موسم رمضان 2026، ومن بين الأعمال التي أُشير إلى استخدامها تقنيّات توليد بصري بالذكاء الاصطناعي في التتر مسلسلات مثل (أولاد الراعي) الذي استُخدمت فيه تقنيّات توليد صور واستعادة ملامح زمنيّة (de-aging) لإعادة بناء الماضي بصريّاً داخل المقدّمة، في محاولة لخلق طبقة سرديّة موازية للقصّة.


أيضاً مسلسل (الست موناليزا) حيث اعتمد التتر على تشكيلات بصريّة متحوّلة لوجوه الشخصيّات، بما يعكس هشاشة الهويّة والتحوّلات النفسيّة.


كذلك مسلسل (فن الحرب) قُدمت فيه عناصر رمزيّة متحرّكة مولَّدة رقميّاً، تحاكي فلسفة الصراع التي يقوم عليها العمل.


ومسلسلا (اتنين غيرنا) و(إفراج) اللذان استخدما أساليب توليد خلفيّات وشخصيّات رمزيّة عبر أدوات تصميم مدعومة بالذكاء الاصطناعي.


في هذه النماذج، لم يكن الذكاء الاصطناعي بديلاً كاملاً عن فريق التصميم لكلّ تتر، بل أداة لتوسيع الإمكانات البصريّة، وفيه التتر تحوّل من بطاقة تعريفيّة إلى بيان جمالي، لكنّه، في كثير من الحالات، ظلّ معزولاً عن نسيج الحلقات نفسها.


خارج رمضان التجريب أكثر جرأة


إذا انتقلنا خارج الدراما التلفزيونيّة التجاريّة، سنجد أن الجرأة أكبر، من خلال تجارب الأفلام السينمائيّة القصيرة، والمشاريع المستقلّة، حيث ذهبت أبعد في استخدام أدوات توليد الفيديو، وتحريك الصور الثابتة، وصناعة مشاهد كاملة من دون تصوير تقليدي، هذه المساحة التجريبية مكّنت صُنّاعاً أفراداً من إنتاج أعمال بميزانيّات محدودة، ولكن بخيال بصري واسع.


فالمنصّات الرقميّة أقلّ تحفظاً من التلفزيون التقليدي، والمخاطرة الإبداعيّة أقلّ كلفة، وبعودة تاريخيّة بسيطة، نجد أنّ كلّ تحوّل تقني يبدأ في الهامش قبل أن يصل إلى المركز.


بين التوظيف الجمالي والوظيفة السرديّة


الملاحظة النقديّة الأساسيّة هي أن معظم الاستخدامات العربيّة للذكاء الاصطناعي حتّى الآن تندرج ضمن ثلاثة أنماط، هي أوّلاً: التجميل البصري في تحسين الصورة، مع توليد خلفيّات، وتصميم تترات، وثانياً المعالجة التقنيّة في تصحيح الألوان، وتنظيف الصوت، وتحسين الدقة، وثالثاً التسويق والمحتوى المصاحب لملخصات الحلقات، وتحليلات تفاعل الجمهور.


ما لم يحدث بعد على نطاق واسع هو استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة كتابة دراميّة أو بناء شخصيّات أو توليد حوارات ضمن العمل النهائي، ولا توجد حتّى الآن أعمال عربيّة تجاريّة كبرى أُعلن فيها أن النصّ أو الأداء تمّ توليده خوارزميّاً بشكلٍ جوهريّ. وهنا تكمن الفجوة بين الخطاب الإعلامي والواقع الصناعي.


هل الأمر تسريع في الإنتاج فقط؟


في التترات المذكورة، يمكن القول إن التقنيّة خدمت المزاج العامّ للعمل، لكنّها لم تغيّر جوهره، فلم يتحوّل البناء الدرامي، ولم تتغيّر معايير الأداء التمثيلي، لذلك يمكن توصيف المرحلة الحاليّة بأنها تحديث شكلي أكثر من كونها تحوّلاً بنيويّاً. لكن هذا لا يقلل من أهمّيّة ما يحدث؛ فالتغيّرات الشكليّة غالباً ما تسبق التحوّلات العميقة.


مستقبل وظائف المونتاج مع الذكاء الاصطناعي


قد يبدأ التحوّل الحقيقي من غرفة المونتاج بالفعل، فأدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على اقتراح نسخ مونتاج متعددة تلقائيّاً، وعلى مطابقة الإيقاع البصري مع الموسيقى، وتنظيف الصوت وإزالة الضوضاء بدقة شبه كاملة، أيضاً استبدال الخلفيّات أو تعديل الإضاءة بعد التصوير، وتحليل الأداء واختيار اللقطات الأكثر تعبيراً.


هذا يعني أن دور المونتير سيتحوّل من منفذ تقني إلى مشرف إبداعي على مخرجات الخوارزميّة، وسيصبح العمل أقرب إلى تنسيق قرارات بدلاً من تنفيذ يدوي كامل.


هناك مخاوف مشروعة في المقابل؛ مثل تقلّص الحاجة إلى فرق كبيرة في العمل، زائد ضغط زمني أكبر لأن الأدوات تسرّع العمليّات، كما أنّ الاعتماد المفرط على حلول جاهزة قد يؤدي إلى تشابه بصري بين الأعمال.


لكن التجربة العالميّة تشير إلى أن المهن لا تختفي بقدر ما يُعاد تعريفها، كما حدث مع دخول المونتاج الرقمي قبل عقدين، حيث سيبقى الحسّ الفنّي هو الفارق الحاسم.


إلى أين تتجه الدراما العربيّة؟


السيناريو الأكثر واقعيّة في السنوات القليلة المقبلة هو ظهور أعمال هجينة؛ ممثّلون حقيقيون، مواقع تصوير تقليديّة، لكن مع توسّع في استخدام الخلفيّات المولَّدة، والمؤثّرات النفسيّة، وربّما كتابة مسوّدات أولى للنصوص بمساعدة نماذج لغويّة.


التحوّل الجذري – أيّ مسلسل يُنتج بالكامل عبر الذكاء الاصطناعي – لا يبدو قريباً في الإطار التجاري العربي، لأسباب تتعلّق بالسوق، والنقابات، والقبول الجماهيري.


إذاً ...


الذكاء الاصطناعي في الدراما العربيّة اليوم هو أداة توسعة بصريّة أكثر منه محرّكاً سرديّاً، حضوره في تترات أعمال مثل ((أولاد الراعي، والست موناليزا، وفن الحرب)) يعكس رغبة في مواكبة الحداثة التقنيّة، لكنّه لم يصل بعد إلى قلب الحكاية.


المستقبل لن يكون صراعاً بين الإنسان والآلة، بل شراكة مشروطة بالكفاءة الفنّيّة، والسؤال الحقيقي ليس إن كان الذكاء الاصطناعي سيغيّر الدراما العربيّة، بل متى وكيف سيعيد تعريف دور صانعها، وحتّى يحدث ذلك، ستظلّ الصورة تسبق الفكرة بخطوة.


سيرياون إعلان 7