لم يعد الذكاء الاصطناعي ترفاً تقنياً أو خياراً مؤجلاً في السياسات الاقتصادية، بل تحوّل إلى معيار أساسي لقياس قدرة الدول على المنافسة في الاقتصاد العالمي.
وفي العالم العربي، يكشف تقرير دولي حديث عن خريطة غير متوازنة لتبنّي الذكاء الاصطناعي، تُظهر دولًا تقود التحول الرقمي بثبات، مقابل أخرى لا تزال تعاني من فجوة في الجاهزية التقنية والبشرية.
مؤشر أممي يرصد الجاهزية الرقمية العربية
وفق تقرير التكنولوجيا والابتكار 2025 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، تم تقييم 170 اقتصادا حول العالم عبر مؤشر جاهزية التقنيات الرائدة، والذي يُعد من أكثر المؤشرات شمولًا في قياس قدرة الدول على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة.
ويعتمد المؤشر على عدة محاور رئيسية، تشمل البنية التحتية الرقمية، وتوافر المهارات، ومستوى البحث والتطوير، والقدرة الصناعية، إضافة إلى البيئة التمويلية والتنظيمية، ما يجعله أداة دقيقة لتقييم الاستعداد الفعلي وليس الاستخدام الظاهري للتكنولوجيا.
الإمارات العربية المتحدة تتقدم المشهد العربي في الجاهزية للذكاء الاصطناعي، مستفيدة من سياسات حكومية واضحة، واستثمارات طويلة الأمد في التحول الرقمي، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في الإدارة والخدمات العامة. ويعكس هذا التقدم انتقال الإمارات من مرحلة التجريب إلى مرحلة الدمج المؤسسي للتقنيات الذكية.
وتأتي السعودية في مرتبة متقدمة عربيًا، مدفوعة باستراتيجيات وطنية مرتبطة برؤية 2030، حيث يشهد استخدام الذكاء الاصطناعي توسعًا ملحوظًا في القطاعات الحكومية، والطاقة، والخدمات المالية. كما تحافظ الكويت والبحرين على مراكز متقدمة نسبيًا بفضل بنية تحتية رقمية مستقرة وأطر تنظيمية داعمة.
خارج دول الخليج، يسجل المغرب والأردن حضورًا متوسطًا في التصنيف العالمي، مع تفوق نسبي مقارنة بعدد من الدول العربية الأخرى. ويعكس هذا الأداء استثمارات تدريجية في التعليم الرقمي والخدمات الإلكترونية، رغم التحديات المرتبطة بالتمويل والقدرات الصناعية.
في المقابل، تظهر دول عربية عدة في مراتب متأخرة، نتيجة ضعف البنية التحتية الرقمية، ونقص الكفاءات المتخصصة، وغياب استراتيجيات وطنية واضحة للذكاء الاصطناعي.
ما الذي يحسم سباق الذكاء الاصطناعي؟
يحدد التقرير ثلاثة عوامل حاسمة لنجاح الدول في توظيف الذكاء الاصطناعي هي البنية التحتية الرقمية والبيانات، بما يشمل شبكات الاتصالات وحوكمة البيانات إضافة إلى رأس المال البشري، من خلال التعليم والمهارات التقنية، وأخيراً السياسات العامة والتنظيم، التي توازن بين الابتكار والأمن الرقمي، حيث أن غياب أي من هذه العناصر يُضعف القدرة على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
ويرى التقرير أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة استراتيجية للاقتصادات العربية، خصوصًا في مجالات الطاقة، والصحة، والخدمات الحكومية. لكنه يحذّر في الوقت نفسه من أن التفاوت في الجاهزية قد يؤدي إلى تعميق الفجوة الرقمية داخل المنطقة، ما لم تُعتمد سياسات شاملة تعزز العدالة التقنية وبناء القدرات.
وتعكس خريطة الذكاء الاصطناعي في العالم العربي مشهدًا متباينًا بين دول تقود التحول الرقمي بثقة، وأخرى لا تزال في مرحلة الإعداد، وبين هذين المسارين، يبقى الاستثمار في الإنسان، وبناء السياسات طويلة الأمد، عاملين حاسمين في تحديد موقع كل دولة في اقتصاد المستقبل.







