تشهد الساحة الأكاديمية والتكنولوجية العالمية تحولات دراماتيكية متسارعة فرضتها ثورة الذكاء الاصطناعي وأنظمة التعلم الآلي، مما وضع المؤسسات التعليمية أمام مسؤولية مضاعفة لإعادة صياغة أدواتها المعرفية والتنظيمية. وفي قلب هذا المشهد، تبرز كلية الهندسة المعلوماتية كحصن أساسي لتخريج الكفاءات الرقمية في سوريا، حيث لا يقتصر التحدي على مجرد مواكبة المستجدات التقنية، بل يمتد إلى حماية أصالة المعرفة وتوجيه الطاقات الشبابية نحو آفاق الإنتاج والاستقرار من داخل الوطن.
وفي حوار خاص لـ Syria One، يسلط عميد كلية الهندسة المعلوماتية في جامعة دمشق الدكتور عمار جوخدار، الضوء على الآليات التي تتعامل بها الكلية مع هذه المنعطفات الرقمية، كاشفاً عن استراتيجيات واقعية توازن بين التأسيس الأكاديمي الرصين ومتطلبات السوق المعاصرة.
ضبط النزاهة الأكاديمية
يطرح التطور الهائل لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي تحديات فريدة أمام المؤسسات التعليمية، خصوصاً في كليات تخصصية تتميز بطبيعتها البرمجية الخاصة، ويوضح د.جوخدار أن طبيعة طلاب كلية الهندسة المعلوماتية تجعلهم متمكنين أساساً من التعامل مع التكنولوجيا، مما يضع الكلية أمام تحديات تختلف جذرياً عن باقي الكليات، وفي هذا السياق، بادرت الكلية إلى تعديل آلية التقييم في الدروس العملية لتصبح وجهاً لوجه مع الطالب، بحيث تُمنح العلامة للمهارة الشخصية للطالب وليس للوظيفة الجاهزة، وذلك بعد أن أتاح الذكاء الاصطناعي للطلاب الحصول على حلول جاهزة بسهولة، كما تم تعزيز الإجراءات التنظيمية عبر تركيب كاميرات مراقبة في الامتحانات النظرية لمنع استخدام هذه الأدوات في الإجابة عن الأسئلة الامتحانية وضمان تكافؤ الفرص والنزاهة العلمية.
المعرفة البشرية أساساً للاستخدام الذكي
وفيما يتعلق بالتوازن بين التأسيس الأكاديمي النظري ومتطلبات سوق العمل الرقمي السريع في مجالات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، يشدد د.جوخدار لـ Syria One على أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يُستعمل بفعالية من قبل شخص جاهل بالمجال الذي يسأل عنه، ويشبه ذلك بأن شخصاً غير ملم بالطب لا يمكنه تنفيذ أوامر طبية صادرة عن منظومة ذكية، نظراً لأن الأنظمة الذكية تخطئ مثل البشر وأكثر. من هذا المنطلق، تؤكد الكلية استمرارها في تقديم المعرفة الأساسية الضرورية لضمان الاستخدام الأمثل والأوعى لأدوات الذكاء الاصطناعي، مع توفير دورات تدريبية للطلاب خارج المناهج الدراسية تركز على الاستخدام الاحترافي لهذه الأدوات ضمن الأنشطة الطلابية، دون الحاجة لإحداث تغييرات متسرعة وغير مدروسة في المناهج الأساسية.
البنية التحتية وحوسبة المشاريع
تتطلب أبحاث وتطبيقات الذكاء الاصطناعي عادة قدرات حاسوبية فائقة وشبكات مستقرة، وهو ما تجيب عنه الإدارة بمرونة عملية عالية، وتوضح الرؤية الأكاديمية للكلية أن معظم الأنظمة الذكية الحديثة تعمل على مخدمات سحابية وليست محصورة على حواسب الطلاب الشخصية، مما ينتفي معه وجود مشكلة حقيقية في القدرة الحاسوبية المحلية، أما في الحالات المتقدمة التي تتطلب فيها البرامج الذكية قدرات حسابية ضخمة مثل تقنيات الواقع الافتراضي وتطبيقات الروبوتية، فإن الطلاب الذين يتصدون لمثل هذه المشاريع التخرجية يعتمدون على تجهيزاتهم الخاصة لتنفيذ أفكارهم وإنجازها بكفاءة.
شراكات الإنتاج وتكامل القطاعات
تولي الكلية اهتماماً بالغاً بمد جسور التعاون الفعلي مع مؤسسات الإنتاج وحاضنات الأعمال التكنولوجية في سوريا. وفي هذا الإطار، يقول د. جوخدار إن الكلية توجه سنوياً دعوات رسمية لجميع شركات القطاعين العام والخاص لإعلان طرح مشاريع التخرج، بهدف إتاحة المجال لهذه الجهات للمساهمة في طرح الأفكار، الإشراف المباشر على التنفيذ، والاستفادة العملية من المخرجات البحثية للطلاب بما يخدم احتياجات المؤسسات والمجتمع المحلي.
توطين الكفاءات الجامعية
وفي محور بالغ الأهمية يتعلق بالحد من نزيف العقول وتوفير بيئة تدريبية تحفز الشباب على البناء من الداخل، يشير د. جوخدار إلى أن هذا التحدي يعد معقداً للغاية ويتطلب تضافر جهود وزارية متعددة ومؤسسات واسعة النطاق، وفي ظل عدم توفر سوق محلي كافٍ لاستيعاب الأعداد الكبيرة من الخريجين، تنتهج الكلية نهجاً توجيهياً يقوم على تشجيع الشباب على تبني خيار العمل عن بعد لضمان بقائهم في الوطن، وربط طاقاتهم البرمجية بالأسواق العالمية مع الاحتفاظ بارتباطهم العضوي ببيئتهم ومجتمعهم المحلي.






