من يريد تورطاً سورياً داخل المستنقع اللبناني فقد أتاه الجواب على لسان الرئيس أحمد الشرع عندما تحدث عن امتلاك الشجاعة الكافية لإعلان ذلك على الملأ.
لم تكن هذه العبارة تفصيلاً عابراً في مقابلة تلفزيونية، بل جاءت كرسالة سياسية محسوبة في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، خصوصاً أن الجرح السوري ما زال طرياً بفعل سنوات طويلة من تدخل حزب الله في الحرب السورية، وما تركته من دماء وذكريات يصعب تجاوزها بسهولة في الوعي الشعبي السوري.
من هذه الزاوية تحديداً، يمكن قراءة خطاب الشرع باعتباره محاولة واعية لفصل الحسابات الاستراتيجية عن مشاعر الثأر السياسي والتاريخي، فالرجل الذي كان بإمكانه استثمار انشغال حزب الله في جبهاته مع إسرائيل، لم يذهب إلى لغة الانتقام أو تصفية الحسابات، بل تحدث عن الحوار، وعن ضرورة إشراك جميع القوى اللبنانية، بما فيها الحزب نفسه، في أي مقاربة للحل.
لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه هنا: هل سيجلس حزب الله فعلاً مع القيادة السورية الجديدة؟
المفارقة أن هذا السؤال لا يتعلق بحزب الله وحده، بل بإيران أيضاً، فالحزب الذي قاتل لسنوات دفاعاً عن النظام السوري السابق يجد نفسه اليوم أمام سلطة سورية جديدة تختلف معه سياسياً وأيديولوجياً، لكنها في الوقت نفسه تمسك بموقع جغرافي واستراتيجي لا يمكن تجاهله، لذلك فإن أي انفتاح محتمل بين الطرفين لن يكون قراراً لبنانياً خالصاً، بل سيكون جزءاً من حسابات إقليمية أوسع ترتبط بموقف طهران أولاً، وهنا تبرز معضلة أخرى.
فالرئيس الشرع يتحدث عن "حلول إبداعية" و"أفكار خارج الصندوق"، لكن ما طبيعة هذه الحلول؟
حتى الآن، يبدو أن دمشق تحاول تسويق نفسها كجزء من الحل لا كطرف إضافي في الأزمة، الحديث عن خطوط اقتصادية بدلاً من خطوط عسكرية، وعن بيروت وطرابلس كبوابات بحرية طبيعية للاقتصاد السوري، يكشف عن رؤية ترى في لبنان شريكاً في مشروع اقتصادي إقليمي أوسع، لا مجرد ساحة نفوذ سياسي.
بمعنى آخر، تعرض سوريا على اللبنانيين ما يمكن تسميته "الجزرة الجيو-اقتصادية"، فمع عودة سوريا التدريجية إلى شبكة التجارة الإقليمية، وازدياد أهمية شرق المتوسط في سلاسل الإمداد العالمية، يصبح لبنان أمام فرصة للاستفادة من موقعه بالتكامل مع العمق السوري بدلاً من البقاء رهينة الانهيار الاقتصادي والانقسامات الداخلية.
السياسة لا تتحرك بالجزرة وحدها
إذا كانت دمشق تعرض على لبنان فرصة الانضمام إلى عقدة استراتيجية تربط الشرق بالغرب، فما هي العصا التي تمتلكها؟
هنا يدخل عامل الجغرافيا، فسوريا ليست مجرد دولة مجاورة للبنان، بل هي رئته البرية الوحيدة تقريباً، التجارة، والطاقة وحركة البضائع، وحتى جزء كبير من الأمن الحدودي، كلها ملفات تمنح دمشق أوراق تأثير حقيقية.
صحيح أن الشرع يتجنب لغة التهديد، لكن مجرد التذكير الضمني بأهمية سوريا للبنان يحمل في طياته رسالة مفادها أن التعاون ليس ترفاً سياسياً بل ضرورة موضوعية تفرضها الجغرافيا.
غير أن السؤال الأكثر إثارة يتعلق بالمقارنة التي قد تخطر في ذهن كثيرين، هل يمكن أن تطبق دمشق في لبنان ما طبقته في ملف قسد؟
التجربة السورية الأخيرة لم تقم فقط على الحوار، صحيح أن المفاوضات كانت حاضرة، لكن القوة الصلبة كانت حاضرة أيضاً، فالمعارك العسكرية، والضغوط الميدانية، وإعادة رسم موازين القوى على الأرض، كلها شكلت جزءاً أساسياً من مقاربة دمشق تجاه الملف الكردي، وهي مقاربة لاقت استحساناً لدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لأنها قدمت نتائج ملموسة من دون أن تضع واشنطن في مواجهة مباشرة مع حلفائها.
لبنان مختلف جذرياً
حزب الله ليس قوة محلية معزولة جغرافياً كما كانت قسد، بل جزء من نسيج سياسي وحتى طائفي معقد، ويمتلك امتدادات إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية، كما أن أي محاولة لاستخدام القوة الصلبة في لبنان قد تؤدي إلى انفجار شامل لا يبدو أن دمشق أو واشنطن أو حتى إسرائيل راغبة فيه حالياً.
ولهذا السبب ربما يركز الشرع على فكرة الحوار الشامل، فهو يدرك أن ما نجح في شرق الفرات قد لا ينجح في بيروت أو الضاحية الجنوبية، وأن أدوات النفوذ الاقتصادي والسياسي قد تكون أكثر فعالية من أدوات القوة العسكرية المباشرة.
هل تبحث دمشق فعلاً عن قبول لبناني مسبق لأي دور محتمل؟
من الواضح أن الشرع تعمد تكرار عبارة أن الأمر يعتمد على "التوافق اللبناني بالدرجة الأولى"، وهذه ليست مجرد مجاملة دبلوماسية، بل إدراك عميق بأن أي دور سوري في لبنان دون غطاء داخلي واسع سيتحول بسرعة إلى عبء على سوريا نفسها.
كما أن دمشق تدرك أن الشرعية الخارجية، سواء الأمريكية أو العربية أو الأوروبية، لن تكون كافية إذا غاب الحد الأدنى من التفاهم اللبناني الداخلي.
الرئيس أحمد الشرع لا يبدو أنه يطرح مشروع تدخل سوري في لبنان بقدر ما يطرح مشروع إعادة تموضع لسوريا نفسها داخل المعادلة الإقليمية، فسوريا التي كانت لعقود تُعرّف من خلال نفوذها العسكري والأمني تحاول اليوم أن تعرّف نفسها عبر الاقتصاد والجغرافيا والربط الإقليمي.
لكن نجاح هذه المقاربة سيبقى رهناً بسؤال لم يجب عنه أحد بعد، هل تملك القوى اللبنانية، وفي مقدمتها حزب الله، الجرأة ذاتها التي تحدث عنها الشرع، للجلوس إلى طاولة تعترف بأن المنطقة تغيرت فعلاً، وأن خرائط الأمس لم تعد تصلح لإدارة أزمات اليوم؟






