في سوريا، كان يكفي أن تكون موظفاً، أو معلماً، أو صاحب مصلحة صغيرة، لتصنف نفسك ضمن "الطبقة الوسطى"، تلك الفئة المستورة التي تعيش بكرامة، وتملك رفاهية التفكير بالمسقبل، اليوم، يبدو أن هذه الطبقة باتت جزءاً من الماضي، فمع الغلاء والظروف المعيشية الصعبة، تحول همّ العائلات من تحسين جودة حياتها إلى مجرد البقاء وتأمين اليوم بيومه.
ولا يوجد تعريف واحد للطبقة الوسطى في علم الاجتماع والاقتصاد، حيث تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى اعتماد الاقتصاديين بصورة أساسية على الدخل، بينما تنظر العلوم الاجتماعية أيضاً إلى المهنة والوضع الوظيفي ورأس المال الاجتماعي والثقافي والاقتصادي.
هذه التبدلات الحادة في بيوت السوريين، تلخصها لغة الأرقام، إذ يوضح الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماه، في حديث لـSyria One أن الطبقة الوسطى في سوريا شكلت تاريخياً العمود الفقري للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، غير أن نسبتها انخفضت من نحو 60% قبل عام 2011 إلى أقل من 10% بحلول عام 2026، مما دفع نحو 90% من السكان إلى دائرة الفقر، ويعكس هذا الانهيار تحولاً بنيوياً خطيراً، وليس مجرد تدهور اقتصادي دوري.
واعتبر د.محمد، أن تآكل الطبقة الوسطى، أدى إلى تفكيك الحزام الآمن للمجتمع، فمعظم المعلمين والأطباء والمهنيين إما انضموا إلى صفوف الفقراء أو هاجروا، مما أضعف رأس المال البشري والثقافي، وخلق مجتمعاً يعاني من عرج بنيوي وفقدان التوازن الأخلاقي والاجتماعي.
خلف هذا الانهيار، يقف سبب حاسم يتعلق بانهيار قيمة العملة المحلية وتفاوت الأجور بشكل غير منطقي.
ويشير د. عبد الرحمن محمد إلى أن الرواتب الحكومية فقدت أكثر من 95% من قيمتها الشرائية، حتى أصبح راتب الموظف الحكومي لا يتجاوز 120 دولاراً شهرياً، في المقابل، يتقاضى موظفو المنظمات الدولية مبالغ تفوق هذا الرقم بعشرات المرات، مما خلق فوارق وظيفية حادة داخل المؤسسة الواحدة، وحوّل الموظفين من طبقة مستقرة إلى فئة تعاني الفقر المدقع.
وعن خطورة تحول المجتمع إلى طبقتين فقط، يقول: "الخطورة تكمن في انعدام الحراك الاجتماعي وتكريس الاستقطاب الحاد، فوجود طبقة عليا ضيقة تستحوذ على الثروة مقابل غالبية فقيرة يلغي الطبقة الوسيطة التي تُنتج الاستقرار السياسي وتحمي السوق من التقلبات، مما يزيد من احتمالية الاضطرابات الاجتماعية والاحتقان الطبقي".
وبالنسبة للخطوات الاقتصادية المطلوبة لإعادة إنعاش الطبقة الوسطى، يؤكد د. محمد أن الأمر يتطلب سياسات تستهدف استعادة الدخل الحقيقي وليس فقط زيادته اسمياً، من خلال:
أولاً: ربط الأجور بمؤشر التضخم وتوحيد معايير الأجر للعمل المتساوي.
ثانياً: دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة عبر إعفاءات ضريبية وتسوية الديون المتعثرة لتمكين أصحاب المهن من العودة للإنتاج.
ثالثاً: استقرار سعر الصرف وضبط الأسواق لمنع تآكل أي زيادات مستقبلية في الرواتب.
وختم د.محمد، كلامه مؤكداً أنه لا يمكن إعادة بناء الطبقة الوسطى عبر قرارات إدارية أو زيادات آنية معزولة عن الإصلاح النقدي والمالي، مضيفاً: "الشرط الجوهري هو استعادة قيمة العمل عبر سياسة سعر صرف مستقرة وسوق تنافسية، وإلا فإن أي زيادة في الرواتب ستُبتلع سريعاً بالتضخم، وستبقى سوريا محكومة بثنائية أثرياء وفقراء دون أفق لتعافٍ مستدام".






