مع اقتراب انطلاق العام الدراسي الجديد، تحول التحضير للمدارس وشراء المستلزمات والقرطاسية من مناسبة مبهجة للأطفال إلى عبء نفسي واقتصادي ثقيل يلاحق الكثير من العائلات، حيث تتداخل الضغوط المادية مع التنافس على المظاهر داخل الفصول الدراسية، متسببة في شرخ نفسي وعاطفي صامت يصيب الأطفال ووالديهم على حد سواء.
وفي حديث مع Syria One، فصّلت المعالجة النفسية والمستشارة الأسرية أ. عزة كردي الأبعاد النفسية والتربوية لهذه الأزمة، مؤكدة أن الاختناق الاقتصادي لم يعد يقتصر على الميزانيات المالية، بل يمتد ليهدد الاستقرار النفسي للأسرة ويؤثر بشكل مباشر على السلوك المدرسي للطفل.
احتراق نفسي ومشاحنات
أوضحت أ. عزة كردي أن عجز الأهل عن مجاراة الطلبات المدرسية المتزايدة يولد لديهم مشاعر مزمنة بالذنب والإحباط والدونية، هذا الضغط النفسي الحاد لا يقف عند حدود التفكير المادي، بل يرفع منسوب التوتر والاحتراق النفسي، مما يحول البيئة المنزلية للأسرة إلى ساحة للمشاحنات المستمرة.
وأضافت كردي أن هذه الحالة تتسبب في جفاء عاطفي بين الوالدين، وتقلل من قدرتهم النفسية على احتواء أبنائهم في مرحلة هم أحوج ما يكونون فيها للدعم والدفء الأسري.
كيف تؤثر الأدوات على سلوك الطفل؟
وعن انعكاس الفوارق المادية داخل الصف، بيّنت كردي لـ Syria one أن اقتناء الطفل لمستلزمات قديمة أو أقل جودة مقارنة بأقرانه يؤدي إلى هز ثقته بنفسه وبناء شعور عميق بالنقص.
وأشارت إلى أن هذا الشعور ينعكس سلوكياً عبر اتجاهين خطرين: إما الانسحاب الاجتماعي والانعزال خوفاً من التنمر والسخرية وسيطرة الخجل التي تمنعه من المشاركة المدرسية، أو الانفجار على شكل سلوك عدواني دفاعي تجاه الزملاء كمحاولة لتعويض الشعور بالدونية.
كيف نشرح حدود الميزانية للأبناء؟
ورفضت كردي لغة التذمر أو "البكاء على الأطلال" أمام الأطفال، وقدمت قواعد تربوية لإفهام الطفل حدود إمكانيات الأسرة دون تجريح، تبدأ من الوضوح الذكي عبر التحدث مع الطفل بلغة بسيطة وواقعية تناسب عمره حول ميزانية الأسرة المتاحة، ثم إعادة توجيه القيم بضرورة غرس فكرة أن قيمة الإنسان تكمن في تميزه وأخلاقه وليست في العلامة التجارية لحقيبته أو أدواته، وصولاً إلى التشارك في القرار من خلال إشراك الطفل في اختيار مستلزماته ضمن البدائل المتاحة، مما يحول شعور الحرمان إلى شعور بالمسؤولية.
عقلنة القوائم وضبط المظاهر
وحمّلت المستشارة الأسرية الكوادر التدريسية والمهندسين التربويين مسؤولية كبيرة في تقليل الفوارق الطبقية، مشددة على ضرورة عقلنة القوائم المدرسية وضبطها بدقة ومنع القرطاسية التعجيزية أو اشتراط ماركات وأشكال معينة، إلى جانب العدالة السلوكية بعدم التمييز أو الثناء على الطلاب بناءً على مظهرهم والتركيز الحصري على الجهد الدراسي، بالإضافة إلى الضبط الصارم للباس الموحد والحد من المباهاة بالإكسسوارات أو الأدوات الإلكترونية.
خارطة طريق للأهل والمدارس
واختتمت أ. عزة كردي حديثها لـ Syria One بتقديم مجموعة من النصائح العملية لبدء عام دراسي هادئ يركز على جوهر المعرفة لا على المظاهر، حيث وجهت الأهل برفض مقارنة وضع الأسرة بالآخرين أمام الأبناء والتركيز على التهيئة النفسية وبناء مرونة الطفل لمواجهة الفوارق، بينما دعت المدارس إلى تفعيل دور المرشد النفسي لرصد حالات الخجل أو التنمر مبكراً، وإطلاق مبادرات تكافلية سرية (مثل تدوير الحقائب والكتب المستعملة بحالة جيدة) لحفظ كرامة العائلات ونشر روح التعاون.






