سياسي

القصر العدلي في الحسكة.. هل تكشف "اليافطة" تعقيدات الدمج السوري؟

244
القصر العدلي في الحسكة.. هل تكشف "اليافطة" تعقيدات الدمج السوري؟

أعادت الحكومة السورية، اليوم السبت 9 مايو/ أيار، تركيب اليافطة الخاصة بالقصر العدلي في مدينة الحسكة، للمرة الرابعة خلال أيام، بعد أن أزيلت عدة مرات متتالية من قبل أعضاء "الشبيبة الثورية" التابعة لـ"قوات سوريا الديمقراطية" قسد، احتجاجاً على غياب اللغة الكردية عنها.


ورُفعت اللوحة الجديدة باللغة العربية فقط، من دون إدراج اللغتين الكردية أو الإنجليزية، بعدما كانت النسخ السابقة تتضمن العربية والإنجليزية دون الكردية، ما أثار موجة احتجاجات متكررة في المدينة.


الفريق الرئاسي أجرى زيارة، صباح اليوم، إلى القصر العدلي بالمدينة برفقة نائب قائد الأمن الداخلي في المحافظة؛ سيامند عفرين (محمود خليل)، وذلك في إطار التحضيرات لإعادة افتتاحه وتفعيل المنظومة القضائية في الحسكة، فيما شهد محيط المبنى انتشاراً لقوى الأمن الداخلي.


الحجارة التي طالت مبنى القصر العدلي في الحسكة لم تكن مجرد حادثة غضب عابرة، ولا كان تمزيق لافتة المؤسسة القضائية حدثاً معزولاً يمكن احتواؤه أمنياً أو إعلامياً، فما جرى في المدينة أعاد، دفعة واحدة كشف الهشاشة التي تحيط بمسار دمج مناطق شمال شرقي سوريا ضمن مؤسسات الدولة، وأظهر أن الطريق بين الاتفاقات السياسية وتطبيقها على الأرض لا يزال مليئاً بالعقد والأسئلة المؤجلة.


في خضم التوتر، اختار محافظ الحسكة نور الدين أحمد مقاربة مختلفة نسبياً، تقوم على تهدئة الخطاب وتقديم الحادثة بوصفها سلوكاً مرفوضاً لا يمثّل أبناء المنطقة، مؤكداً أن الحفاظ على الأمن والاستقرار مسؤولية جماعية، وأن الاعتداء على المؤسسات العامة لا يؤدي إلا إلى زيادة التوتر وتعطيل مصالح الناس.


هذه اللغة بدت في توقيتها ومضمونها مهمة، لأنها حاولت نقل النقاش من مربع التخوين والانقسام إلى مساحة المسؤولية العامة، في لحظة تتزايد فيها المخاوف من تحوّل الخلافات الإدارية والسياسية إلى توترات مجتمعية أوسع.


لكن خلف الدعوات إلى التهدئة، تقف أزمة أعمق بكثير من حادثة لافتة أو خلاف لغوي، فالاعتداء على القصر العدلي جاء في لحظة حساسة من المفاوضات بين الحكومة السورية و"قسد"، حيث تحوّل ملف القضاء إلى إحدى أكثر النقاط تعقيداً في مسار الدمج. 


دمشق تنظر إلى المؤسسة القضائية باعتبارها التعبير الأكثر وضوحاً عن سيادة الدولة ووحدة القانون، بينما تتعامل "الإدارة الذاتية" مع الملف بوصفه جزءاً من البنية الإدارية والسياسية التي تشكّلت خلال سنوات الحرب، ولا يمكن تفكيكها دفعة واحدة.


ومن هنا، لم يكن الخلاف حول لافتة كُتبت بالعربية أو بالكردية أو بالإنكليزية إلا انعكاساً لصراع أعمق يتعلق بسؤال الهوية الإدارية والسياسية للمنطقة، ليطرح سؤالاً مشروعاً، كيف يمكن إعادة دمج مؤسسات تشكّلت خارج سلطة الدولة لسنوات طويلة؟ وما حدود الخصوصية المحلية ضمن نموذج الدولة المركزية؟


الحكومة السورية حاولت التعامل مع المسألة من زاوية قانونية ودستورية، عبر التأكيد أن العربية هي اللغة الرسمية الوحيدة في المؤسسات العامة، مع الاعتراف بالكردية كلغة وطنية يمكن تدريسها واستخدامها ثقافياً وتعليمياً، لكن الاحتجاجات التي رافقت إزالة اللغة الكردية من اللوحة التعريفية عكست حجم الحساسية المرتبطة بأي تغيير يُفهم محلياً بوصفه تراجعاً عن الاعتراف بالخصوصية الثقافية الكردية.


في المقابل، أثارت طريقة الهجوم على القصر العدلي قلقاً أكبر من القضية نفسها، خصوصاً مع ظهور مجموعات "الشبيبة الثورية" في واجهة المشهد مجدداً، وهي مجموعات ارتبط اسمها لسنوات بحالات التوتر الأمني والتجنيد القسري والاستقطاب الأيديولوجي.


الأخطر بالنسبة لكثير من المتابعين لم يكن الهجوم وحده، بل غياب التدخل الفعّال من القوى الأمنية الموجودة في المكان، ما أعاد طرح تساؤلات حول مدى تماسك البنية الأمنية داخل تلك المناطق وحول قدرة القيادات المنخرطة في التفاوض مع دمشق على ضبط القوى الرافضة لمسار الدمج.


وهنا تحديداً تظهر المعضلة الأساسية التي تواجه الاتفاق بين الطرفين. فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط ببنود الاتفاق أو آليات التنفيذ، بل أيضاً بوجود رؤيتين مختلفتين داخل قسد نفسها، تيار يدفع باتجاه التسوية والانخراط التدريجي ضمن مؤسسات الدولة، وتيار آخر يخشى أن يؤدي الدمج إلى خسارة النفوذ السياسي والأمني الذي راكمه خلال السنوات الماضية.


ورغم ذلك، لا يمكن تجاهل أن مسار الدمج حقق بالفعل خطوات مهمة خلال الأشهر الماضية، سواء عبر إدماج ألوية عسكرية ضمن الجيش السوري، أو تعيين شخصيات من قسد في مواقع رسمية، أو تسلّم الدولة إدارة بعض المؤسسات والسجون، إلا أن حادثة القصر العدلي كشفت أن التقدم الإداري والعسكري لا يعني بالضرورة تجاوز التوترات السياسية الكامنة تحت السطح.


مقالات ذات صلة

أزمة الاستقالات تعصف بحكومة ستارمر.. رئيس الوزراء البريطاني لن يستقيل

أزمة الاستقالات تعصف بحكومة ستارمر.. رئيس الوزراء البريطاني لن يستقيل

أعلن رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر، اليوم الثلاثاء، لوزرائه المجتمعين في داونينغ ستريت، استمراره في منصبه، وذلك بعد وقت قليل من إعلان أول وزير الاستقالة
29
طهران تلوح بتخصب اليورانيوم بنسبة ‌نقاء تصل إلى 90 بالمئة إذا تجددت الحرب

طهران تلوح بتخصب اليورانيوم بنسبة ‌نقاء تصل إلى 90 بالمئة إذا تجددت الحرب

قال إبراهيم رضائي المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني ​اليوم الثلاثاء إن طهران قد تخصب اليورانيوم بنسبة ‌نقاء تصل إلى 90 بالمئة، وهو مستوى يعتبر صالحا لصناعة الأسلحة
41
شبكة CNN: ترامب يفكر بجدية في استئناف العمليات القتالية الكبرى ضد إيران

شبكة CNN: ترامب يفكر بجدية في استئناف العمليات القتالية الكبرى ضد إيران

كشفت مصادر لشبكة CNN أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يفكر بجدية، في استئناف العمليات القتالية الكبرى ضد إيران
58
ترامب: وقف ​إطلاق النار مع إيران على وشك الانهيار.. رد طهران غبي

ترامب: وقف ​إطلاق النار مع إيران على وشك الانهيار.. رد طهران غبي

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم الاثنين إن وقف ​إطلاق النار مع إيران "على وشك الانهيار"، ‌بعد أن وصف رد طهران على مقترح السلام الذي قدمته واشنطن بأنه "غبي".
71
لتطوير التعاون العسكري.. سفينة حربية تركية تزور اللاذقية

لتطوير التعاون العسكري.. سفينة حربية تركية تزور اللاذقية

تصل السفينة الحربية التركية "تي سي جي ملتم" اليوم في زيارة رسمية إلى ميناء اللاذقية السوري، في خطوة قالت تركيا إنها تأتي في إطار تطوير التعاون العسكري بين دمشق وأنقرة.
106
سيرياون إعلان 7