اقتصاد

المحافظ الإلكترونية في سوريا.. خطوة مفصلية في تحديث القطاع المالي

169
المحافظ الإلكترونية- سوريا- القطاع الماليلميس حسين

في الوقت الذي تتسابق فيه دول العالم نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد الورقي، تتحرك سوريا بخطوات محسوبة لوضع إطار تنظيمي يسمح بترخيص وتشغيل المحافظ الإلكترونية، في مسار يتقاطع مع جهود أوسع لتحديث القطاع المصرفي، والربط مع شبكات دفع عالمية مثل Mastercard وVisa، وتقليص اقتصاد الظل، وتعزيز الشمول المالي.


هذا التحول لا يعني مجرد إضافة قناة دفع جديدة، بل إعادة صياغة علاقة المواطن بالنظام المالي الرسمي، وتحويل الهاتف المحمول إلى أداة مالية يومية، وربط المدفوعات الرقمية بالبنية الوطنية للمدفوعات، بما يفتح الباب أمام اقتصاد أكثر شفافية وقدرة على التتبع والتحليل. 


ميلاد الأطرش

وفي هذا السياق، يؤكد المحلل الاقتصادي ميلاد الأطرش لـ Syria One أن سوريا تقف اليوم أمام لحظة مفصلية مع اقتراب صدور الإطار التنظيمي الخاص بترخيص المحافظ الإلكترونية، وهو مشروع يرى أنه قادر على إعادة تشكيل العلاقة بين المواطن والنظام المالي إذا نُفذ وفق معايير دقيقة.


إطار تنظيمي يسبق الانطلاق


يقول الأطرش إن مصرف سوريا المركزي يعمل على إعداد إطار تشريعي ورقابي شامل يحدد شروط منح التراخيص للشركات الراغبة في تقديم خدمات المحافظ الإلكترونية، ويتضمن متطلبات رأس المال، والحوكمة، وإدارة المخاطر، وأمن المعلومات، وحماية أموال العملاء، وآليات الرقابة والإفصاح، مشيراً إلى أن التجارب الدولية أثبتت أن نجاح المحافظ الإلكترونية لا يرتبط بسرعة إطلاقها، بل بقوة الإطار التنظيمي الذي يحكمها، لأن أي ثغرة قد تتحول لاحقاً إلى منفذ للاحتيال أو غسيل الأموال أو اختراق البيانات، حيث يرى أن نجاح التجربة السورية سيُقاس بقدرة المصرف المركزي على تحقيق توازن دقيق بين تشجيع الابتكار المالي وعدم تعريض الاستقرار النقدي للمخاطر.


تعويض فجوة الحسابات المصرفية


يوضح الأطرش أن نسبة امتلاك الحسابات المصرفية في سوريا لا تتجاوز عشرين في المئة، وهي نسبة منخفضة جداً مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ واحداً وسبعين في المئة في الدول النامية وسبعة وتسعين في المئة في الاقتصادات المتقدمة، مشيراً إلى أن ملايين السوريين محرومون من الخدمات المصرفية التقليدية بسبب بعدها الجغرافي أو ارتفاع تكلفتها أو ضعف الثقة بها. 


كما يرى أن المحافظ الإلكترونية تقدم حلاً عملياً لهذه الفجوة، لأنها تتيح إجراء عمليات الدفع وتحويل الأموال وتسديد الفواتير واستلام الرواتب والمساعدات عبر الهاتف المحمول دون الحاجة إلى حساب مصرفي، كما تسمح بالوصول إلى المناطق الريفية والنائية التي تفتقر إلى الفروع المصرفية، ما يعزز الشمول المالي ويقلل الفجوة بين المدن والأرياف.


اقتصاد الظل.. فرصة للدمج التدريجي


يؤكد الأطرش لـ Syria One أن الاقتصاد غير الرسمي في سوريا يشكل أكثر من سبعين في المئة من النشاط الاقتصادي، وهو ما يحرم الدولة من بيانات دقيقة ويقلل الإيرادات الضريبية ويصعّب رسم السياسات النقدية، فيما يشير إلى أن دخول المدفوعات الرقمية في الحياة اليومية سيجعل جزءاً كبيراً من العمليات المالية قابلاً للتتبع والتوثيق، ما يسمح بدمج تدريجي لاقتصاد الظل ضمن الاقتصاد الرسمي دون إجراءات قسرية، مبيناً أن البيانات الرقمية الناتجة عن المحافظ الإلكترونية ستمنح المصرف المركزي والحكومة مؤشرات أكثر دقة حول حركة الأسواق والاستهلاك والسيولة، وهو ما يحسن عملية اتخاذ القرار الاقتصادي.


تحديات تقنية معقدة


يقول الأطرش إن الحصول على ترخيص لتقديم خدمات المحافظ الإلكترونية يتطلب بنية تقنية متقدمة، لأن الأمر لا يتعلق باستكمال أوراق قانونية بل ببناء منظومة قادرة على العمل بأمان وكفاءة، مبيناً أهمية تطبيق أعلى معايير الأمن السيبراني لحماية المحافظ من الاختراقات، وتشفير البيانات الحساسة أثناء التخزين والنقل، وإنشاء مراكز بيانات موثوقة وأنظمة نسخ احتياطي واستعادة للطوارئ، وربط المحافظ بالبنية الوطنية للمدفوعات بشكل آمن وسريع، وضمان استمرار الخدمة على مدار الساعة حتى في حالات الضغط أو الأعطال، إضافة إلى تطوير تطبيقات سهلة الاستخدام تناسب مختلف شرائح المجتمع، منوهاً إلى أن الشركات مطالبة بإجراء اختبارات اختراق دورية وتحديث أنظمتها الأمنية باستمرار لمواجهة تطور الهجمات الإلكترونية.


شرط الثقة الدولية


يشدد الأطرش في حديثه لـ Syria One على أن أي منظومة دفع إلكترونية لا يمكن أن تنجح دون الالتزام الكامل بمعايير مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، إضافة إلى تطبيق إجراءات التحقق من الهوية، ويشير إلى أن ذلك يتطلب التحقق من هوية المستخدمين، ومراقبة العمليات المشبوهة، والإبلاغ عنها، ووضع حدود للمعاملات وفق مستوى التحقق من العميل.


كما يبين أن هذه الإجراءات قد تجعل التسجيل أكثر تعقيداً في البداية، لكنها تمنح النظام المالي مصداقية أكبر وتزيد فرص الربط مستقبلاً مع المؤسسات المالية الإقليمية والدولية، مؤكداً أن التحدي الحقيقي يتمثل في إيجاد توازن بين سهولة استخدام المحافظ وعدم تحويل إجراءات التحقق إلى عائق يمنع المواطنين من استخدامها.


العقوبات.. العائق الأكثر تأثيراً


يقول الأطرش إن العقوبات الاقتصادية تشكل أحد أكبر التحديات أمام تطوير منظومة مدفوعات إلكترونية متكاملة في سوريا، لأنها تحدّ من قدرة المؤسسات المحلية على الوصول إلى تقنيات دفع حديثة أو حلول أمن سيبراني متقدمة أو خدمات سحابية عالمية، موضحاً أن العديد من الشركات العالمية المزودة لهذه التقنيات لا تستطيع التعامل مع السوق السورية، ما يحد من القدرة على شراء البرمجيات والحصول على التحديثات الأمنية أو الربط مع شبكات دفع دولية، حيث يدفع هذا الواقع نحو الاعتماد على حلول محلية أو شراكات مع دول لا تخضع للقيود نفسها، لكنه يرفع الكلفة ويطيل زمن تنفيذ المشاريع.


مكاسب محتملة


ويؤكد الأطرش أن المحافظ الإلكترونية يمكن أن تحقق مجموعة واسعة من المكاسب إذا نُفذت بطريقة صحيحة، أبرزها تخفيض الاعتماد على النقد الورقي وتقليل تكاليف طباعته ونقله، وتسريع عمليات الدفع والتحويل المالي بين الأفراد والشركات، ودعم التجارة الإلكترونية والاقتصاد الرقمي، وتسهيل توزيع الرواتب والمساعدات الحكومية، وتحسين تحصيل الرسوم والضرائب، وزيادة الشفافية المالية، وجذب شركات التكنولوجيا المالية للاستثمار في السوق السورية، إضافة لخلق فرص عمل جديدة في مجالات البرمجيات والأمن السيبراني وخدمات الدفع الرقمي.


الثقة قبل التكنولوجيا


ويختم الأطرش بتأكيده لـ Syria One على أن نجاح المحافظ الإلكترونية في سوريا يعتمد على ثقة المواطن قبل أي عامل آخر، لأن المستخدم لن يقبل على الخدمة ما لم يشعر بأن أمواله وبياناته محمية، وأن الخدمة مستقرة وسهلة ومنخفضة التكلفة، حيث يرى الأطرش أن مشروع المحافظ الإلكترونية ليس مشروعاً تقنياً فحسب، بل مشروع اقتصادي واستراتيجي طويل الأمد يمكن أن يشكل نقطة تحول في تحديث القطاع المالي وتعزيز الشمول المالي ودمج الاقتصاد غير الرسمي، رغم التحديات التنظيمية والتقنية والعقوبات التي ما تزال قائمة.


مقالات ذات صلة

أسعار العقود الآجلة للقمح ترتفع وسط المخاوف بشأن إمدادات الحبوب العالمية

أسعار العقود الآجلة للقمح ترتفع وسط المخاوف بشأن إمدادات الحبوب العالمية

ارتفعت أسعار العقود الآجلة للقمح خلال تعاملات الأربعاء، للجلسة الثانية على التوالي، مدعومة بتزايد المخاوف بشأن إمدادات الحبوب العالمية
13
الين الياباني يهبط إلى أدنى مستوياته في 40 عاما

الين الياباني يهبط إلى أدنى مستوياته في 40 عاما

هبط الين الياباني إلى أدنى مستوياته في أربعين عاماً، مسجلاً 163.24 يناً مقابل الدولار، في ظل استمرار الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط وتراجع قيمة العملة، بينما أظهرت بيانات حكومية تسجيل واردات اليابان
18
دمشق وريفها تشتكي من الكلاب الشاردة.. مصدر بالمحافظة لـ Syria One: نتواصل مع جمعيات حماية الحيوان لحل المشكلة

دمشق وريفها تشتكي من الكلاب الشاردة.. مصدر بالمحافظة لـ Syria One: نتواصل مع جمعيات حماية الحيوان لحل المشكلة

باتت الكلاب الشاردة تشكل هاجساً للأهالي في معظم المحافظات السورية، ولاسيما دمشق، خاصة مع تداول صور وفيديوهات توثق تجمع هذه الكلاب في الطرقات، حيث لم يعد الأمر يقتصر على الضواحي أو المناطق العشوائية
34
مدير المسرح السوري لـ Syria one: مهرجان سوريا المسرحي خطوة أولى في خطة متكاملة وهناك تحضيرات لإحياء مهرجان دمشق المسرحي

مدير المسرح السوري لـ Syria one: مهرجان سوريا المسرحي خطوة أولى في خطة متكاملة وهناك تحضيرات لإحياء مهرجان دمشق المسرحي

تشهد الحركة المسرحية في سوريا محاولات للنهوض بالمسرح السوري من حالة الركود وتراجع المستوى التي عاشها منذ العام 2011، ويلاحظ خلال المرحلة الأخيرة نهضة للمسرح السوري بتجارب خاصة وأخرى تم دعمها من قبل الحكومة السورية، إلا أن الحدث الأبرز بالنسبة للمسرحين السوريين حالياً هو التحضيرات القائمة لإنتاج مهرجان سوريا المسرحي الأول
59
منتخب سوريا للناشئات بكرة القدم يتأهل لنصف نهائي غرب آسيا بفوز على لبنان

منتخب سوريا للناشئات بكرة القدم يتأهل لنصف نهائي غرب آسيا بفوز على لبنان

بلغ منتخب سوريا الوطني للناشئات الدور نصف النهائي في بطولة اتحاد غرب آسيا لكرة القدم، بعد فوزه على منتخب لبنان بهدف دون رد
44
سيرياون إعلان 7