يأتي المرسوم الرئاسي الأخير المتعلق بتأكيد حقوق المواطنين السوريين الكرد في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها تراكمات الضغوط الدولية مع مرحلة مفصلية تعيشها الدولة السورية، لا سيما في الشمال الشرقي، حيث أُريق دم كثير خلال السنوات الماضية، وتبقى العلاقة بين دمشق والمكوّن الكردي إحدى أكثر ملفات النزاع تعقيداً.
في هذا السياق، يبدو أن الدولة السورية تبحث عن خطوة سياسية محسوبة تهدف إلى تهدئة المشهد وإعادة ضبط العلاقة مع المواطنين الكرد، في وقت تُظهر فيه دمشق رغبة واضحة في تحييد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) عن أي اصطفافات خارجية، خصوصاً في ظل التوترات المستمرة واحتمالات التصعيد العسكري.
من هذه الزاوية، يظهر المرسوم الجديد أقرب إلى إشهار سياسي مباشر على لسان رئيس الجمهورية، منه إلى تحوّل جذري في بنية القانون أو في الإطار الدستوري الناظم للعلاقة بين الدولة والمكوّن الكردي. فالقراءة الدقيقة لبنوده تكشف أن معظم ما ورد فيه ليس جديداً من حيث الجوهر، بل هو إعادة تثبيت رسمية لما هو قائم أو مطبّق جزئياً منذ سنوات.
فمنح الجنسية للمواطنين الكرد المتضررين من إحصاء عام 1962 تم تقنينه بمرسوم رئاسي منذ عام 2011، واعتماد يوم 21 آذار عطلة رسمية موجود منذ عام 1957 بوصفه عطلة عيد الأم، ومتزامن تاريخياً مع عيد النوروز، كما أن تدريس اللغة الكردية بدأ فعلياً منذ عام 2024 ضمن أطر تعليمية وثقافية محددة.
وعليه، يمكن القول إن المرسوم لا يؤسس لمسار تشريعي جديد بالمعنى الحرفي، بقدر ما يعيد تأكيد الدولة على التزامات سابقة، ويمنحها غطاءً سياسياً موحداً وواضحاً في مرحلة تتطلب رسائل تطمين داخلية وخارجية في آن واحد.
ورغم الطابع الرمزي الواضح للمرسوم، إلا أن رمزيته لا تقل أهمية عن مضمونه القانوني.
فتوقيته ورسائله الموجهة للمكوّن الكردي، وللفاعلين الإقليميين والدوليين، تعكس محاولة سورية لإعادة الإمساك بالملف الكردي من بوابة سياسية ناعمة، بدل تركه رهينة التوازنات العسكرية أو التدخلات الخارجية.
في المحصلة، يشكّل المرسوم خطوة رمزية محسوبة بدقة، لا تُحدث انقلاباً قانونياً فورياً، لكنها تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة مع المواطنين الكرد ضمن إطار الدولة، وفتح نافذة سياسية قد تُستثمر لاحقاً في مسار أوسع لتفكيك عقدة الشمال الشرقي، إذا ما ترافقت مع إجراءات تنفيذية ملموسة تتجاوز حدود الإعلان السياسي
سياسي
المرسوم الرئاسي الخاص بالكرد خطوة تهدئة سياسية أكثر منها تحولاً تشريعياً
50

مقالات ذات صلة

الرئيس السوري يصدر مرسوما رئاسيا يكرّس الاعتراف بالمكوّن الكردي
أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026 يقضي بالاعتراف بالمكوّن الكردي
537

قوات أمريكية في دير حافر شمال سوريا.. هل توقف التصعيد بين دمشق وقسد؟
في تطور مثير للجدل على الساحة السورية، أصبحت بلدة دير حافر في ريف حلب الشرقي محور توتر متصاعد بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية
118

باراك: نسعى لتنفيذ اتفاق 10 آذار بين قسد والحكومة السورية.. ما هي أبرز بنوده؟
أكد المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم باراك، أن بلاده تسعى لتهدئة الأوضاع واستئناف المحادثات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية ـ قسد، لتنفيذ اتفاق 10 آذار.
89

الحكومة السورية تدرس آليات جديدة لاستيراد قطع السيارات.. خطوة لضبط السوق وتحسين الجودة
تعمل الحكومة السورية في الفترة الأخيرة على مراجعة ملف استيراد قطع السيارات
260

عقب الاشتباكات الأخيرة.. الأمم المتحدة تكشف عن أرقام كبيرة لأعداد النازحين في حلب
شهدت مدينة حلب خلال الأيام الماضية موجة نزوح واسعة، على خلفية الاشتباكات التي وقعت بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)
252
