في كل مرة تقترب حاملة الطائرات أبراهام لينكولن من مياه المنطقة، يتجدد السؤال في النقاشات العسكرية والسياسية، إذا كانت إيران تمتلك صواريخ باليستية ومجنحة متطورة، فلماذا لا تبادر بضربة مباشرة تُغرق هذه القلعة العائمة وتوجّه صفعة استراتيجية مدوية؟ السؤال يبدو منطقياً في ظاهره، لكنه يتجاهل طبقات عميقة من التعقيد العسكري والاستراتيجي تجعل القرار أبعد بكثير من مجرد ضغط زر إطلاق.
أمام حصن بحري متكامل
أبراهام لينكولن لا تتحرك منفردة في البحر، فهي مركز مجموعة ضاربة كاملة، تحيط بها مدمرات قتالية متطورة من فئة آرلي بيرك، مزودة بمنظومة إيجيس القتالية، وهي شبكة رادارية وصاروخية عالية التطور قادرة على تتبع واعتراض أهداف متعددة في وقت واحد.
في الأجواء، توفر مقاتلات لايتنينغ الثانية وسوبر هورنت مظلة حماية مستمرة، قادرة على كشف واعتراض الطائرات المسيّرة والصواريخ قبل اقترابها لمسافات خطرة، أما تحت سطح البحر، فترافقها غواصات هجومية نووية تؤمّن العمق البحري وتحرسها من أي تهديد غاطس، بمعنى آخر، أي محاولة لاستهداف الحاملة تعني اختراق منظومة دفاعية طبقية متشابكة، لا هدفًا منفردًا يسهل إصابته.
عتبة الحرب الشاملة
إغراق حاملة طائرات أمريكية لا يُعد عملية تكتيكية محدودة، بل حدثًا استراتيجيًا ضخماً، فالحاملة تضم آلاف العسكريين وتمثل قطعة سيادية عائمة، وضربها بنجاح سيُفسَّر كإعلان حرب مباشرة، في مثل هذا السيناريو، لن يكون الرد محدودًا أو رمزياً، بل قد يمتد إلى ضربات واسعة النطاق تستهدف بنى عسكرية وحيوية، مع احتمالات تصعيد تتجاوز حدود الاشتباك التقليدي.
هنا تتحول المسألة من سؤال "هل يمكن؟" إلى سؤال "ما الثمن؟"، وفي عالم الردع، الثمن هو العامل الحاسم.
ثمن البقاء.. لماذا لا يكفي إصابتها؟
حتى في حال وصول صواريخ وإصابتها، فإن إغراق حاملة بهذا الحجم ليس أمرًا بسيطًا، فتصميمها الداخلي قائم على تقسيم معقد لمئات المقصورات المعزولة، بحيث يمكن احتواء الأضرار ومنع انتشار الغرق، الفارق كبير بين إلحاق ضرر جزئي أو تعطيل مؤقت، وبين إغراق كامل لسفينة عملاقة.
الإغراق يتطلب إصابات متكررة ومركزة في نقاط حساسة، مع تعطيل أنظمة مكافحة الحرائق والسيطرة على الأضرار، وكل ذلك في ظل دفاع جوي كثيف ورد فوري، لذلك فإن فكرة "الضربة القاضية الواحدة" أقرب إلى التصور النظري منها إلى الواقع العملياتي.
المعركة تبدأ قبل الإطلاق
في العصر الحديث، لا توجد تحركات عسكرية كبرى في الظل الكامل. الأقمار الصناعية وأنظمة الرصد تجعل أي استعداد واسع النطاق مكشوفًا إلى حد كبير، وأي حشد غير اعتيادي أو تحريك منصات إطلاق سيُقرأ كإشارة تصعيد.
المواجهة، إذًا، تبدأ في مرحلة الرصد والتحليل، لا عند لحظة إطلاق الصاروخ، إنها لعبة توازن دقيقة، تُختبر فيها الإرادات بقدر ما تُختبر القدرات، حين تحكم الحسابات لا العواطف ونسأل لماذا لا تُغرق إيران أبراهام لينكولن؟ يكون الجواب لأنها لا تواجه سفينة فقط، بل منظومة دفاعية متكاملة، ولأن الضربة قد تفتح باب حرب شاملة يصعب احتواؤها، ولأن الإغراق ذاته مهمة معقدة تتجاوز التصورات البسيطة.
في النهاية، البحر في هذه الحالة ليس ساحة مواجهة مباشرة بقدر ما هو ساحة ردع متبادل، وأحيانًا يكون الامتناع عن إطلاق النار هو القرار الأكثر برودة… والأكثر عقلانية، فهل تخطأ إيران في حساباتها.






