مجتمع

ألعاب الرعب.. ماذا تمنح للأطفال؟.. د. غالية أسعيد لـ Syria One: الخوف يتحول إلى محفز عندما ترتبط التجربة بنتيجة إيجابية

30
ألعاب الرعب.. م الذي تمنحه للأطفال؟.. د. غالية أسعيد لـ Syria One: الخوف يتحول إلى محفز عندما ترتبط التجربة بنتيجة إيجابيةلميس حسين

تتجه الأنظار نحو عالم الألعاب الرقمية وما يحمله من جاذبية استثنائية للأطفال واليافعين، لا سيما ألعاب الرعب والعنف التي باتت تطرح تساؤلات جوهرية حول السر النفسي وراء الانجذاب إليها رغم ما تسببه من خوف وقلق، ومدى تأثير محاكاتها على الدماغ والجهاز العصبي، فضلاً عن كيفية تمييز الأهل بين الخوف الطبيعي المؤقت والخوف المرضي المقلق.


وفي تصريح خاص لـ Syria One، أكدت الدكتورة في الصحة النفسية والإرشاد الأسري غالية أسعيد، أن انجذاب الطفل لما يخيفه ليس تناقضاً نفسياً، موضحة حقيقة المتعة المشوبة بالخوف، ومحفزات تكرار اللعب، والأعراض النفسية المحتملة، وسُبل التعامل التربوي الواعي بعيداً عن المنع العشوائي أو الصدام.


السر وراء "المتعة المشوبة بالخوف"


أوضحت د. غالية أسعيد لـ Syria One أن الخوف من المنظور النفسي انفعال وقائي تنبيهي لوجود خطر، لكن عندما ينتقل إلى سياق آمن نسبياً كما في اللعبة الإلكترونية يتغير معنى التجربة، إذ يشعر الطفل بالخوف لكنه يدرك ضمنياً قدرته على إيقاف اللعبة وأن الخطر غير حقيقي ويمتلك السيطرة عليه، وتتشكل هنا المتعة المشوبة بالخوف.


وأشارت أسعيد إلى دراسة ميدانية منشورة في مجلة Psychological Science على زوار تجارب الرعب، أظهرت أن الاستمتاع يبلغ أعلى مستوياته عند مستوى معين من الاستثارة وليس عند أقصى درجات الخوف، وهو ما يفسر استمرار الطفل في اللعب رغم خوفه، كما بيّنت أن عنصر الفضول يلعب دوراً محورياً في جعل الخوف جزءاً من التجربة عبر التساؤل والبحث عن النجاة وما خلف الشخصيات.


أثر المحاكاة التفاعلية وحلقة التكرار السلوكي


وبيّنت د. غالية أسعيد أن ما يميز ألعاب الرعب عن المشاهدة التقليدية هو التفاعل، فالطفل يتحكم بالشخصية، يتوقع الخطر، يتخذ القرارات، ويحاول النجاة، ولفتت إلى دراسة تناولت أثر التفاعل أظهرت أن الاستجابات الفسيولوجية المرتبطة بالخوف تكون أكبر أثناء اللعب مقارنة بالمشاهدة السلبية، مما يؤكد أهمية التفاعل والسيطرة في شدة التجربة الانفعالية.


وأضافت أنه عند التعرض لمشهد مخيف يدخل الجسم حالة استثارة ويقظة، وعند النجاح في تجاوز المشهد ينتقل الطفل من التوتر إلى الارتياح والإنجاز، وهو ما يخلق حلقة سلوكية جذابة ترتكز على الترقب والخوف ثم المحاولة والنجاح ثم الارتياح والشعور بالإنجاز وصولاً إلى الرغبة في تكرار التجربة. وشددت على أن التأثير يتفاوت بحسب عمر الطفل، نضجه الانفعالي، مدة التعرض، طبيعة المحتوى، توقيت اللعب، شخصيته ومستوى القلق لديه، إضافة إلى البيئة الأسرية والاجتماعية.


بين التكرار الطبيعي والإدمان السلوكي


وحول التمييز بين الاعتياد والإدمان السلوكي، شددت د.غالية أسعيد على أهمية التفريق بين التكرار الطبيعي للسلوك الممتع وبين اضطراب الألعاب الإلكترونية المعتمد لدى منظمة الصحة العالمية في التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11)، موضحة أن عدد الساعات وحده لا يكفي لتشخيص الإدمان، بل يحدد الاضطراب عبر عناصر رئيسية كفقدان السيطرة، إعطاء اللعب أولوية متزايدة، والاستمرار رغم العواقب السلبية والتدهور في الحياة الشخصية والأسرية والاجتماعية أو التعليمية.


وسلوكياً، بيّنت أسعيد أن الخوف يتحول إلى محفز عندما ترتبط التجربة بنتيجة إيجابية تتمثل في الشعور بالارتياح والإنجاز بعد تجاوز الخوف، ليصبح السلوك معززاً بدلاً من أن يكون رادعاً، حيث يتعلق الطفل بما يأتي بعد الخوف لا بالخوف نفسه، أما عند فقدان القدرة على التوقف وإهمال النوم والدراسة والعلاقات والاستمرار رغم الأذى، فنكون أمام نمط يحتاج إلى تقييم نفسي وسلوكي.


الأعراض النفسية والسلوكية المحتملة


وعن أبرز المؤشرات التي قد تظهر نتيجة التعرض المستمر لمنتجات الرعب الرقمية، أوضحت د. غالية أسعيد عبر Syria One أنه ليس من الدقة تعميم إصابة كل طفل بأعراض نفسية نظراً لتفاوت الحساسية الانفعالية والقدرة على تنظيم الخوف، إلا أن التعرض الشديد والمتكرر قد ينتج لدى بعض الأطفال أعراضاً تشمل اضطراب النوم وصعوبة الاستغراق فيه والكوابيس والاستيقاظ المتكرر، والخوف من الظلام أو البقاء وحيداً، وزيادة التوتر واليقظة والانفعال وسرعة الغضب والعصبية، فضلاً عن تكرار الحديث عن مشاهد اللعبة أو إعادة تمثيلها، وصعوبة التركيز خاصة إذا كان اللعب طويلاً أو قريباً من وقت النوم، وتجنب بعض المواقف المرتبطة بمحتوى اللعبة، وصولاً إلى التعلق الشديد باللعبة وصعوبة الانتقال منها إلى نشاط آخر.


تفريغ المشاعر والسلوك العدواني


ورداً على سؤال حول ما إذا كانت الألعاب تفرغ المشاعر السلبية أم تعزز العدوانية، ذكرت د. غالية أسعيد أن اللعبة قد تمنح الطفل شعوراً مؤقتاً بالإثارة أو السيطرة، لكنها ليست وسيلة صحية لتفريغ الغضب ولا يمكن اعتبار العنف الافتراضي علاجاً للعدوان أو القلق.


وفي الوقت ذاته، لفتت إلى أنه لا يصح الجزم بأن كل لعبة عنيفة تصنع طفلاً عدوانياً لتباين نتائج البحوث في هذا السياق، مؤكدة أن السؤال الجوهري هو ما الذي يتعلمه الطفل من هذه التجربة وكيف تؤثر فيه بعد انتهائها


التمييز بين الخوف الطبيعي والخوف المَرَضي


وحول كيفية تفكيك الأهل لطبيعة الخوف لدى أبنائهم، بيّنت د. أسعيد لـ Syria One أن الخوف الطبيعي جزء من النمو النفسي، حيث يخاف الطفل من مشهد أو شخصية ثم يهدأ ويستعيد نشاطه ونومه المعتاد.


أما الخوف المرضي أو المقلق، فيبدأ عندما يتحول الخوف من انفعال عابر إلى عامل يسيطر على حياة الطفل وينظمها، كأن يعاني من كوابيس متكررة، أو يرفض النوم والبقاء بمفرده، أو يظهر قلقاً وعصبية شديدة، أو يتراجع أداؤه الدراسي، أو يتجنب أنشطة طبيعية، أو تظل مشاهد اللعبة حاضرة في تفكيره وسلوكه خلال النهار.


آليات التعامل التربوي البديل


وفيما يتعلق بكيفية إقناع الطفل بالابتعاد عن ألعاب الرعب دون صدام، أكدت أسعيد من واقع عملها الميداني أن المواجهة المباشرة والأوامر الفوقية مثل المطالبة بحذف اللعبة فوراً تحول الحوار إلى صراع سلطة وتزيد تمسك الطفل باللعبة.


ودعت الأهل للبدء بالفهم واستكشاف الوظيفة النفسية للعبة عبر أسئلة حوارية حول ما يعجبه في اللعبة وهل يحب الخوف أم التغلب عليه، وذلك لمعرفة ما إذا كانت اللعبة وسيلة للمتعة أم للهروب من الملل والضغط أم للشعور بالإنجاز، وبناءً عليه يكون التدخل ذكياً عبر تقديم البديل المناسب بمنح التحدي المناسب لمن يبحث عن التحدي، وتوفير تجارب ممتعة وآمنة لمن يبحث عن الإثارة، ومعالجة أسباب القلق والضغط الواقعي لمن يستخدم اللعبة كأداة للهروب بدلاً من الاكتفاء بسحب اللعبة دون معالجة السبب.


واختتمت د.غالية أسعيد تصريحها لـ Syria One بالتشديد على ضرورة عدم التعامل مع ألعاب الرعب بعقلية التخويف المطلق ولا بعقلية الاستهانة التامة، فالأثر النفسي تحدده طبيعة التفاعل بين الطفل والمحتوى والبيئة المحيطة. ودعت الأهل إلى الانتقال من إصدار الأحكام والمنع العشوائي إلى الفهم والتربية الواعية، مؤكدة أن جوهر التعامل النفسي الصحيح يستوجب فهم ما وراء السلوك بدلاً من محاكمة السلوك وحده.


مقالات ذات صلة

مقتل أب وأم على يد نجلهما بطنطا في مصر

جريمة تهز مصر..  مقتل أب وأم على يد نجلهما بطنطا في مصر

أنهى شاب مصري حياة والده ويٌدعى «عبدالعزيز. ا» وشهرته نبيل في العقد السادس من العمر، ووالدته وتُدعى «مُهجة» وتبلغ من العمر 54 عاما، طعنًا بسكين، داخل منزلهم بقرية محلة مرحوم التابعة لمركز ومدينة طنطا بالغربية، وتركهما وفر
6
"زيت نباتي وحشوة فستق".. حبزة لـ Syria One: تكاليف المكدوس تفوق قدرة ذوي الدخل المحدود

"زيت نباتي وحشوة فستق".. حبزة لـ Syria One: تكاليف المكدوس تفوق قدرة ذوي الدخل المحدود

شهدت أسعار مكونات "المكدوس" ارتفاعاً كبيراً في ظل تغيّر الأوضاع الاقتصادية، ما قد يضطر الكثير من العوائل السورية لتقليل الكمية التي سيتم تجهيزها للشتاء، لتقتصر على بعض الكيلو غرامات بعدما كانت تخزن العشرات منها، فمع حلول الخريف في كل عام
40
أميركا ترفع الحظر الشامل عن التجارة الدفاعية مع سوريا.. خبير لـSyria One: الأثر الاقتصادي محدود في البداية

أميركا ترفع الحظر الشامل عن التجارة الدفاعية مع سوريا.. خبير لـSyria One: الأثر الاقتصادي محدود في البداية

لم يعد استيراد السلع والخدمات الدفاعية الأميركية إلى سوريا خاضعاً للحظر الشامل، لكن الانتقال إلى إطار يسمح بدراسة الطلبات حالة بحالة لا يعني فتح التجارة الدفاعية تلقائياً، ولا يضمن الموافقة على الطلبات المقدمة
1050
​الإيجار أربعة أضعاف الراتب في دمشق.. خبير عقاري لـ Syria One: يرتفع 15% كل ثلاثة أشهر

​الإيجار أربعة أضعاف الراتب في دمشق.. خبير عقاري لـ Syria One: يرتفع 15% كل ثلاثة أشهر

لم يعد البحث عن منزل للإيجار في دمشق مجرد رحلة بحث عن سكن، بل أصبح مواجهة مع سوق مفتوح على المضاربات وارتفاعات متتالية لا تتوقف، حيث أصبحت أرقام الإيجارات تتجاوز أضعاف الدخل الشهري لأغلب العائلات بمراتب. وفي الوقت الذي يراها البعض مجرد انعكاس لارتفاع الأسعار العام
567
بماذا سيتدفئ السوريون لهذا العام؟.. روث الحيوانات يعود إلى الواجهة.. والتقنين خيار إجباري

بماذا سيتدفئ السوريون لهذا العام؟.. روث الحيوانات يعود إلى الواجهة.. والتقنين خيار إجباري

انخفاض درجات الحرارة يعيد طرح السؤال السنوي بين السوريين: "بماذا سنتدفأ هذا العام؟". وزاد إلحاح السؤال مع ارتفاع أسعار المحروقات لمستويات غير مسبوقة في سوريا، لكن الأمر بالنسبة لأم عبود التي تقطن في مدينة الحسكة يعتبر كارثياً على المستوى الاقتصادي، إذ تقول لـ Syria One، خلال السنوات السابقة
247
سيرياون إعلان 7