عادت أجواء الصراع لتخيم على المشهد في الشرق الأوسط، وبعد أكثر من ستة أشهر على بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، لا تزال المواجهة بعيدة عن الحسم، رغم الضربات الواسعة التي استهدفت القدرات العسكرية الإيرانية والقيادات السياسية والأمنية، فيما انتقل جانب متزايد من الصراع مؤخرا إلى العقوبات الاقتصادية الساحقة، وهواجس أمن الملاحة في مضيق هرمز والمفاوضات المتقطعة بين حين وآخر تحت هدير الطائرات، والنار، والهجمات المتبادلة التي خلطت الأوراق الاقتصادية في المنطقة والعالم.
وأطلقت الولايات المتحدة عملية "الغضب الملحمي" (Operation Epic Fury) في 28 فبراير شباط، ضمن حملة أمريكية إسرائيلية أسفرت عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين، وألحقت أضراراً واسعة بالدفاعات الجوية والقوات الصاروخية والبحرية والبنية العسكرية الإيرانية.
رغم ذلك، أشار تقرير لمجلة "نيوزويك" إلى أن النظام الإيراني بقي قائما، كما عزز "الحرس الثوري" نفوذه، فيما حولت طهران مضيق هرمز إلى ورقة رئيسة في المواجهة.
وفي خضم ذلك، لا تزال الوكالة الدولية للطاقة الذرية غير قادرة على تحديد حجم ومكونات وموقع مخزون إيران من اليورانيوم المخصّب.
أجواء المواجهة العسكرية عادت بقوة بين الولايات المتحدة وإيران اليوم الأربعاء بعد أكبر تبادل لإطلاق النار منذ أسابيع، إذ هددت واشنطن بضربات أشد تدميرا، في حين استنكرت إيران هجوما قالت إنه قتل خمسة مدنيين وأصاب عشرات في حفل زفاف.
وقالت القيادة المركزية الأمريكية إنها قصفت أهدافا تابعة للحرس الثوري الإيراني، شملت على أنظمة دفاع جوي ورادار ومنشآت بحرية وقدرات لزرع الألغام ومواقع اتصالات.
هذا التصعيد جاء في وقت تتزايد فيه الضغوط على طهران، التي تفتح الباب مواربا للدبلوماسية عبر تصريحات متذبذبة بين الحين والآخر، باتت لا تؤخذ على محمل الجد من قبل واشنطن.
وسائل إعلام إيرانية أكدت اليوم بوقوع هجمات على أهداف متعددة قرب مضيق هرمز، حيث تهدد إيران ناقلات النفط التي تقدم على عبور الممر المائي الضيق دون تصريح، وهنا تكمن عقد كثيرة ليس فقط أمام واشنطن، بل أمام العالم ككل، وهو ينادي بضرورة فتح مضيق هرمز دون قيود أو شروط، كما دعا الاتحاد الأوروبي مؤخرا.
والخطير في الأمر هو استمرار الرد الإيراني نحو دول الخليج، فقد قالت إيران، وفقا لبيانات رسمية، إنها استهدفت أصولا أمريكية في البحرين والأردن والكويت والعراق، وهذا من شأنه توسيع رقعة الصراع، وزيادة أمد التوتر في الشرق الأوسط.
ورغم إعلان الحرس الثوري أنه قتل عددا كبيرا من القوات الأمريكية في الأردن، قال مسؤولان أمريكيان لوسائل إعلام غربية، إن التقييمات الأولية تشير إلى عدم وقوع خسائر بشرية.
ضربات اليوم انهت حالة الجمود المستمرة منذ يوليو- تموز، إذ تجنب الطرفان الأمريكي والإيراني إلى حد كبير المواجهة المباشرة، من دون أن يُبدي أي منهما رغبة في إجراء محادثات، بعد توقفها، وسريان الجمود في عروقها، رغم محاولة العديد من الدول وفي مقدمتها قطر وباكستان إحداث اختراق في العملية الدبلوماسية.
ومن المؤكد أن الحرب الأمريكية الاقتصادية الساحقة، انهكت إيران وأضعفت قواتها التقليدية، في حين استنفد الجيش الأمريكي جزءا كبيرا من مخزونه العالمي من الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى حسبما أفادت رويترز الشهر الماضي، مما أثار مخاوف بشأن جاهزية الولايات المتحدة لأي صراعات مستقبلية.
ومع ذلك، رافق تجدد المواجهات اليوم تبادل جديد للتصريحات النارية، والتحدي بين طهران وواشنطن، فقال ترامب "موقفنا الآن أفضل بكثير، مع سيطرة شبه كاملة على مضيق هرمز، وانهيار اقتصادهم تماما... إنهم لا يفعلون سوى انتظار ما بات محتوما. متى سينهض الشعب الإيراني ويقاتل؟"
وردت القيادة العسكرية المشتركة الإيرانية بتحذير قالت فيه إن أي دولة تساعد "الشر الأمريكي في المنطقة ستواجه ردود أشد وأكثر تدميرا وأوسع نطاقا، وعلى أي دولة تتعاون مع الجيش الأمريكي المعتدي أن تتحمل العواقب الخطيرة المترتبة على ذلك".
وبينما هددت واشنطن بخنق الاقتصاد الإيراني عبر فرض عقوبات، تواجه إدارة ترامب مشكلات اقتصادية خاصة بها، إذ أدى الصراع إلى ارتفاع أسعار الوقود قبيل انتخابات الكونغرس المقررة في نوفمبر -تشرين الثاني.
ويرى أندرياس كريغ، خبير أمن الشرق الأوسط في "كينغز كوليدج لندن"، أن اتفاق هرمز يمثل المسار الأكثر ترجيحاً نحو مفاوضات أوسع، إذ تستطيع إيران تقديمه باعتباره اعترافا بدورها في أمن المضيق، بينما تستطيع واشنطن القول إنها استعادت حرية الملاحة ومنعت طهران من فرض سيطرة أحادية.
وتظل "مذكرة إسلام آباد"، التي وقعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في يونيو- حزيران، الإطار الأكثر وضوحاً لأي مفاوضات جديدة، رغم انتهاء مهلة الستين يوما التي نصت عليها، غير أن العودة إليها تواجه خلافات داخل الجانبين حول حجم التنازلات المقبولة وشروط التسوية.






