لم يعد استيراد السلع والخدمات الدفاعية الأميركية إلى سوريا خاضعاً للحظر الشامل، لكن الانتقال إلى إطار يسمح بدراسة الطلبات حالة بحالة لا يعني فتح التجارة الدفاعية تلقائياً، ولا يضمن الموافقة على الطلبات المقدمة.
وبحسب الخبير الاقتصادي الدكتور علي محمد، فإن التغيير الحالي تنظيمي بالدرجة الأولى، فيما يتوقف أثره الاقتصادي على طبيعة الطلبات التي ستقدمها سوريا وما ستوافق عليه الجهات الأميركية وقيمة العقود الناتجة عنها.
ماذا يتغير فعلياً؟
يرى محمد أن سوريا انتقلت من إطار كان يفرض حظراً شاملاً على توريد المواد والأسلحة والمعدات الدفاعية إلى إطار يمكن فيه تقديم طلبات محددة ودراستها من الجهات الأميركية المعنية، لتكون النتيجة إما الموافقة أو الرفض بحسب كل حالة.
وبالتالي، لا يمكن وفق رأيه تقدير أثر اقتصادي كبير للقرار قبل معرفة ما الذي سيُسمح باستيراده فعلياً. ويشير إلى أن حجم الاقتصاد السوري، الذي يقدره بنحو 30 مليار دولار، يجعل قيمة أي عقود مستقبلية عاملاً أساسياً في تحديد وزن هذا النشاط داخل الاقتصاد.
الصيانة والرصد قبل صفقات الأسلحة
ولا يرجّح محمد أن يبدأ الأثر من صفقات كبيرة للأسلحة الثقيلة، بل يرى أن المجالات الأكثر قابلية للظهور أولاً قد تكون الصيانة والإصلاح والاتصالات الإلكترونية والاستشعار عن بعد وأجهزة الرصد ومتطلبات الحماية والدفاع.
ويربط ذلك أيضاً بالقدرة المحدودة على الإنفاق، في ظل عجز مالي وضغوط تدفع الحكومة إلى ترشيد الإنفاق العام ورفع كفاءته، ويشير إلى أن العجز بلغ نحو نصف مليار دولار في النصف الأول من العام، فيما يبلغ العجز المخطط لعام 2026 نحو 1.8 مليار دولار، ما يجعل تخصيص مبالغ كبيرة لموجة شراء دفاعية واسعة أمراً غير مرجح، وفق تقديره.
من التوريد إلى الاستثمار
لكن التغيير قد يتجاوز عمليات الاستيراد، بحسب محمد، ليشكل مدخلاً لنشاط استثماري بين شركات أميركية وسورية، وإن كان ذلك، في تقديره، أقرب إلى أن يبدأ بأشكال محدودة.
ويطرح مثالاً على تعاون شركة أميركية مع شركة سورية لتوريد المعدات أو تنفيذ أعمال الصيانة والإصلاح وتوفير قطع الغيار، باعتبار ذلك أحد أشكال الحضور الاستثماري الممكنة في المرحلة الأولى.
إلا أن جذب هذا النشاط يحتاج، وفق محمد، إلى أكثر من تغير الإطار التنظيمي، إذ يشترط المستثمر وجود ضمانات مناسبة وقطاع مصرفي سليم وكفؤ ومتين، قادر على تنفيذ العمليات المالية وتحويل المستحقات إلى الخارج.
نوع الطلب والتمويل يحددان حجم الاستفادة
لا تتساوى فرص الطلبات المقدمة إلى الجهات الأميركية، بحسب الخبير محمد؛ فطبيعة المعدات المطلوبة ستكون عاملاً أساسياً في تحديد إمكانية الموافقة عليها، حيث يشير إلى أن طلبات تتعلق بمعدات لمكافحة التهريب أو ضبط الحدود قد تكون قابليتها أكبر من طلبات أخرى للحصول على معدات دفاعية مختلفة.
لكن حتى الموافقة على الطلب لا تعني بالضرورة القدرة على تنفيذه، إذ يضع محمد التمويل والضمانات والقدرة المصرفية على إجراء التحويلات الخارجية ضمن العوامل الأساسية للاستفادة من هذا التغيير.
ويرى أن خفض تكلفة الاستيراد، وخلق سوق جديدة لشركات الاستيراد، ونقل التكنولوجيا والخبرات، إضافة إلى تدريب العمالة، يمكن أن تكون من النتائج المحتملة إذا تطورت هذه القنوات، لكنها لن تظهر بالضرورة بحجم كبير في السنوات الأولى.
كيف نعرف أن التغيير أصبح اقتصادياً؟
بالنسبة لمحمد، لا يُقاس أثر القرار بمجرد الانتقال من الحظر الشامل إلى مراجعة الطلبات، بل بما سيحدث بعد ذلك.
ويحدد خمسة مؤشرات يمكن من خلالها متابعة هذا الأثر: تقديم طلبات للحصول على تراخيص، توقيع عقود فعلية لاستيراد المعدات وقيمتها، تطوير القطاع المصرفي لقنوات التمويل والتحويل الرسمية، وفتح مكاتب للشركات الأميركية في سوريا في المجالات الدفاعية، وبذلك يبقى حجم الأثر الاقتصادي مرتبطاً بما ستتحول إليه المراجعة الفردية للطلبات من موافقات وعقود واستثمارات فعلية، وليس بمجرد تغيير الإطار التنظيمي الذي يحكم التجارة الدفاعية.






