محلي

"إن أعادوا الكهرباء.. من يعيد لك الكابلات".. سرقاتٌ تُنهك الحسكة وضرورات أمنية كبرى

36
"إن أعادوا الكهرباء.. من يعيد لك الكابلات".. سرقاتٌ تُنهك الحسكة وضرورات أمنية كبرىSyria One -خاص

دخلت محافظة الحسكة مرحلة جديدة من التحولات السياسية والأمنية، بعدما عاشت لسنوات واقعاً استثنائياً تعددت فيه القوى المسيطرة ومراكز القرار، قبل أن تفرض التطورات الأخيرة واقعاً مختلفاً على المدينة وريفها.

وفي ظل هذا الانتقال، برز ملف الأمن اليوم بوصفه واحداً من أكثر الملفات إلحاحاً بالنسبة إلى سكان الحسكة، ليس فقط بسبب حوادث السرقة التي شهدتها بعض الأحياء والمنشآت، وإنما أيضاً خشية أن يؤدي أي فراغ أمني، ولو لفترة قصيرة، إلى اتساع الفوضى واستغلالها من قبل اللصوص أو الجهات التي قد تسعى إلى استثمار حالة القلق الشعبي.

من تعدد السلطات إلى مرحلة انتقالية حساسة

على مدى السنوات الماضية، عاشت الحسكة واقعاً أمنياً وإدارياً معقداً، توزعت فيه السيطرة بين جهات مختلفة.. وبقيت المربعات الأمنية في مدينتي الحسكة والقامشلي تحت سيطرة الحكومة السابقة، في حين كانت مناطق واسعة من المحافظة، بما فيها مواقع اقتصادية واستراتيجية، تدار من قبل قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية.

هذا الواقع أنتج مؤسسات وأجهزة عمل فيها آلاف المدنيين والعسكريين من أبناء المحافظة ومكوناتها المختلفة، قبل أن تؤدي التحولات السياسية والعسكرية الأخيرة إلى تغيير المشهد، وتفتح الباب أمام إعادة تنظيم المؤسسات وتسوية أوضاع العاملين فيها.

لكن الانتقال من واقع أمني إلى آخر لا يخلو من مخاطر، وأبرزها احتمال نشوء فراغ في بعض المناطق والمنشآت، وهو ما يطالب الأهالي بمنعه بشكل سريع وحاسم.

دخول الأمن السوري.. المهمة الأولى منع الفراغ

ومع بدء دخول وانتشار الأمن السوري في الحسكة منذ أيام، يرى الأهالي أن المهمة الأكثر إلحاحاً في هذه المرحلة تتمثل في نشر الدوريات داخل الأحياء، وتأمين الشوارع، وحماية المؤسسات والمنشآت الحكومية، ولا سيما تلك التي خرجت منها قوات "الإدارة الذاتية" أو القوى السابقة.

ويقول سكان إن تأمين المنشآت لا يتعلق بالمباني الحكومية وحدها، بل يشمل محطات الكهرباء والمراكز الخدمية وشبكات الطاقة والمنشآت التي تشكل ملكية عامة، لأن تركها بلا حماية يعني عملياً فتح المجال أمام العبث بممتلكات تعود ملكيتها إلى جميع سكان المدينة.

الكابلات والمحولات.. سرقة بخسارات متعددة

من أكثر الملفات التي تركت أثراً مباشراً على حياة سكان الحسكة، سرقة الكابلات الكهربائية ومعدات الشبكة، إذ يؤكد الأهالي أن بعض الأحياء تعرضت لعمليات سرقة واسعة لم تقتصر على الأسلاك، بل طالت أيضاً محولات ومعدات مرتبطة بشبكات التغذية الكهربائية.

وهنا تبرز المفارقة التي يطرحها السكان: ماذا يستفيد أهالي الأحياء التي تعرضت للسرقة الجماعية من إعلان شركة الكهرباء عزمها إعادة التغذية الكهربائية إلى المدينة، إذا كانت بعض الشبكات قد فقدت كابلاتها؟ بل إن محولات حكومية تمت سرقتها أيضاً.

سرقة في وضح النهار.. والخوف يتجاوز الممتلكات

ولا تقتصر مخاوف سكان الحسكة على الممتلكات العامة. فقد تحدث عدد من الأهالي عن حوادث سلب وخطف للهواتف والمقتنيات الشخصية، بعضها وقع في وضح النهار وفي شوارع مأهولة.

تقول أم ماتيوس، من حي المطار، إنها شاهدت شخصين على دراجة نارية يقتربان من امرأة وسلبا طوقاً ذهبياً من عنقها قبل أن يلوذا بالفرار.

وتروي أن وقوع الحادث أمام الناس وفي وضح النهار ترك حالة من الخوف لدى سكان الحي، خصوصاً مع تكرار الحديث عن حوادث مشابهة.

أما أبو بشار حسين خليفة، فيروي حادثة تعرض لها شخصياً، قائلاً إنه كان يتحدث عبر هاتفه على الرصيف عندما اقترب منه شخص على دراجة نارية وخطف الهاتف من يده خلال ثوانٍ.

البطالة.. الوجه الآخر للأزمة إلى جانب الجانب الأمني، يبرز العامل الاقتصادي بوصفه جزءاً أساسياً من المشهد.

فآلاف الأشخاص فقدوا أعمالهم أو مصادر دخلهم نتيجة التحولات الأخيرة، فيما ينتظر آخرون تسوية أوضاعهم أو معرفة مستقبل عملهم ضمن المؤسسات الجديدة.

ويحذر الأهالي من أن استمرار البطالة من دون حلول جدية قد يزيد من الضغوط الاجتماعية، ويجعل معالجة السرقات من خلال الإجراءات الأمنية وحدها غير كافية.

ويقول أبو ظافر الدليمي إن سرقة الكابلات أصبحت مشهداً متكرراً في بعض المناطق، ويربط ذلك، إلى جانب ضعف الردع، بالبطالة التي يعاني منها كثير من السكان.

وبالنسبة إلى الأهالي، فإن توفير فرص العمل وتنظيم أوضاع الموظفين والعاملين السابقين وإعادة تحريك السوق المحلي ليست ملفات اقتصادية منفصلة عن الأمن، بل جزء من معادلة الاستقرار نفسها.

لماذا يصمت البعض؟

ويطرح سكان الحسكة سبباً اجتماعياً آخر وراء تردد البعض في ملاحقة السارق أو التدخل لمنعه، يتعلق بالخوف من تحول الحادثة إلى خلاف عشائري أو اجتماعي.

ويقول أحمد العبدالله إن المواطن قد يتردد أحياناً في الإمساك بشخص يشتبه بسرقته، خشية أن يؤدي ذلك لاحقاً إلى مشكلة مع عائلته، خصوصاً إذا أصيب السارق أثناء المطاردة.

ويرى أن المطلوب هو ترسيخ قاعدة واضحة: الاحتكام إلى القانون، وتسليم أي متهم إلى الجهات المختصة، وترك مهمة إثبات الجريمة والعقوبة للقضاء.

كما يرى أن موقفاً اجتماعياً موحداً من العشائر والوجهاء ضد حماية المتورطين بالسرقة يمكن أن يساعد في كسر حالة الخوف والتردد.

بين المبادرات الشعبية والقانون

شهدت بعض أحياء الحسكة محاولات من الأهالي لضبط أشخاص يشتبه بتورطهم في عمليات سرقة وتسليمهم إلى الجهات الأمنية، إضافة إلى تداول تسجيلات مصورة للتحذير من بعض الحوادث.

لكن هذه المبادرات تفتح في الوقت نفسه نقاشاً حول حدود الدور الشعبي، فالمطلوب، بحسب عدد من السكان، أن يساعد المجتمع في كشف الجرائم والإبلاغ عنها، من دون أن يتحول ذلك إلى محاكمات شعبية أو تشهير قد يقود إلى توترات جديدة.

فالجهة التي يجب أن تحسم الاتهامات وتحدد المسؤوليات هي المؤسسات الأمنية والقضائية، وليس الشارع.

إعادة الكهرباء تبدأ من حماية الشبكة

ومع إعلان شركة الكهرباء توجهها لإعادة التغذية الكهربائية إلى مدينة الحسكة، يضع السكان أمامها سؤالاً عملياً لا يقل أهمية عن إعادة التيار نفسه: هل الشبكة في الأحياء المتضررة ما زالت قادرة على استقبال الكهرباء؟

ولهذا يطالب السكان بأن تترافق خطة إعادة الكهرباء مع خطة لحماية الشبكة، وتأمين المحولات والكابلات ومحطات التحويل، لأن إعادة إصلاح ما تمت سرقته من دون توفير الحماية يعني الدخول في حلقة متكررة من الإصلاح ثم السرقة ثم الانقطاع.

الاختبار الحقيقي للمرحلة الجديدة

اليوم، ومع بدء انتشار الأمن السوري في الحسكة، تبدو المدينة أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع المرحلة الجديدة أن تمنع تكرار الفراغ الأمني الذي رافق بعض مراحل الانتقال؟

بالنسبة إلى الأهالي، فإن الإجابة تبدأ من الشارع: دوريات واضحة في الأحياء، حماية للمنشآت الحكومية، تأمين لشبكات الكهرباء والمرافق العامة، وتعامل سريع مع بلاغات السرقة، بالتوازي مع معالجة ملف البطالة وتسوية أوضاع آلاف العاملين الذين فقدوا مصادر دخلهم.

فالحسكة لا تحتاج فقط إلى عودة الكهرباء، بل إلى حماية ما تبقى من شبكة الكهرباء. ولا تحتاج فقط إلى مؤسسات جديدة، بل إلى تأمين المؤسسات القائمة. ولا تحتاج فقط إلى ملاحقة اللصوص بعد وقوع الجريمة، بل إلى منع حدوثها من الأساس.

وفي مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، قد تكون الساعات الأولى هي الأهم؛ لأن أي فراغ أمني، ولو كان قصيراً، يمكن أن تستغله الفوضى، ويمكن أن يستثمره المحرضون لإقناع الناس بأن المرحلة الجديدة غير قادرة على حماية حياتهم وممتلكاتهم.

ولهذا فإن فرض الأمن وحماية الممتلكات العامة والخاصة لا تبدو اليوم مهمة أمنية فحسب، بل شرطاً أساسياً لاستعادة ثقة أهالي الحسكة بالمرحلة الجديدة.


سرقات تنهك الحسكة  الكهرباء

مقالات ذات صلة

عبر الاستفادة من الخبرات التركية.. التحضير لأتمتة السجل العقاري والمساحي في سوريا

عبر الاستفادة من الخبرات التركية.. التحضير لأتمتة السجل العقاري والمساحي في سوريا

بدأت وزارة الإدارة المحلية والبيئة، إجراء التحضيرات اللازمة لأتمتة السجل العقاري ‏والمساحي والخدمات العقارية، بالاستفادة من الخبرات التركية.
6
مطار دير الزور يستقبل أول رحلة جوية مباشرة من ألمانيا!

مطار دير الزور يستقبل أول رحلة جوية مباشرة من ألمانيا

وصلت اليوم الثلاثاء 1 أيلول/سبتمبر، أول رحلة طيران مباشرة من مطار بون/ كولن غربي ألمانيا إلى مطار دير الزور الدولي.
14
مزارعون يروون محاصيلهم بالصرف الصحي.. حماية المستهلك لـ Syria One: تتركز في الغوطة الشرقية وتؤثر بشكل كبير على النباتات الورقية

مزارعون يروون محاصيلهم بالصرف الصحي.. حماية المستهلك لـ Syria One: تتركز في الغوطة الشرقية وتؤثر بشكل كبير على النباتات الورقية

في وقت تشهد فيه الأسواق السورية ارتفاعاً بالأسعار، تبرز على السطح مشكلة أكثر خطورة تتعلق بسلامة الغذاء نفسه، فعلى أطراف المدن والبلدات السورية، لم تعد قنوات الصرف الصحي مجرد ممرات للمخلفات
38
وفاة شخص وإصابة 15 جراء 14 حادث سير في عدد من المناطق في سوريا

وفاة شخص وإصابة 15 جراء 14 حادث سير في عدد من المناطق في سوريا

توفي شخص وأصيب 15 آخرون جراء 14 حادث سير في عدد من المناطق والمحافظات في سوريا
47
الشيباني يلتقي نظيره الدنماركي ‌‏‌‏لارس لوكه راسموسن في دمشق

الشيباني يلتقي نظيره الدنماركي ‌‏‌‏لارس لوكه راسموسن في دمشق

التقى وزير الخارجية والمغتربين أسعد ‏حسن الشيباني اليوم الثلاثاء نظيره الدنماركي ‌‏‌‏لارس لوكه راسموسن
44
سيرياون إعلان 7