بعد الحرب الاقتصادية عالية السقف التي أطلقتها واشنطن ضد طهران، تعيش إيران واحدة من أكثر مراحلها الاقتصادية والسياسية حساسية وحرجا.
وخلال العقود الأخيرة، وفي ظل تراكم العقوبات الغربية مع مشكلات هيكلية داخلية وتداعيات جيوسياسية متزايدة، يحاصر الاقتصاد الإيراني ضمن دائرة تجمع بين التضخم المرتفع وتراجع النمو وانخفاض القوة الشرائية، وتراجع مستمر للتومان أمام الدولار الأمريكي.
وتضغط طهران خلال الأيام الأخيرة لزيادة اعتمادها الاقتصادي على الصين، مع اتساع الحملة الأمريكية التي تستهدف صادرات النفط والقنوات المالية المرتبطة بالنظام الإيراني.
يأتي ذلك، بينما بدأت تظهر داخل مؤسسات النظام الإيراني شكوك في قدرة بكين على تعويض الخسائر الناجمة عن العقوبات والحصار البحري وتراجع التجارة الخارجية.
وتأتي هذه التحركات بعدما أعلنت واشنطن حزمة عقوبات واسعة استهدفت عشرات الكيانات المرتبطة بالنفط والسلاح والشبكات المالية الإيرانية، بالتزامن مع تراجع العروض الإيرانية من النفط أمام المشترين الصينيين وارتفاع كلفة وصول الشحنات.
وتستحوذ الصين على الحصة الكبرى من صادرات النفط الإيرانية، ما يجعل أي تراجع في الطلب أو التمويل الصيني أكثر تأثيرًا في قدرة طهران على تحصيل العملة الصعبة.
وكشفت تسريبات من مصدر إيراني مطّلع على دوائر صنع القرار الاقتصادي، أن الضغوط المالية والعقوبات الأمريكية المتصاعدة بدأت تدفع الاقتصاد الإيراني إلى مرحلة أكثر خطورة، مشيرا إلى أن قدرة الحكومة الإيرانية على امتصاص تداعيات الأزمة وتوفير احتياجات السوق باتت تواجه اختبارات متزايدة.
ومع تراجع الإيرادات النفطية والضغوط على مصادر النقد الأجنبي، تواجه الحكومة الإيرانية معضلة تمويل الإنفاق العام، خصوصا في ظل ارتفاع تكلفة الدعم والخدمات الأساسية.
ويرى مراقبون أن الخطر الأكبر بالنسبة لطهران لا يتمثل فقط في ارتفاع التضخم أو تراجع العملة، وإنما في تحول الأزمة الاقتصادية إلى عامل ضغط سياسي واجتماعي متراكم، قد يفجر الأوضاع الداخلية في إيران مع مرور الوقت.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أعلن عن "أقوى عملية اقتصادية على الإطلاق" ضد إيران، وأضاف أنها "ستكون حربا اقتصادية وعزلة على نطاق غير مسبوق".
وقال: "تهريب النفط، وخطوط المقايضة، والتحويلات النقدية، ومكاتب الصرافة، وسجلات السفن، والشركات الوهمية - يجب أن يتوقف كل هذا الآن. أنتم تعرفون أنفسكم. سيكون هذا يوما حاسما اقتصاديا، ونحتاج إلى وقوف جميع حلفائنا إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية لعزل التهديد الإيراني وهزيمته"، وفي حال تجاوب الدول وتناغمها مع المزاج الأمريكي، ستكون طهران أمام مصيدة اقتصادية كبيرة جدا، قد تعلق فيها، دون أي أمل في النجاة.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن قدرة إيران على تجاوز الأزمة ستعتمد بدرجة كبيرة على قدرتها على الحفاظ على صادرات النفط، وتأمين قنوات تجارية بديلة، والحصول على العملة الصعبة، ومنع انهيار إضافي في سعر التومان.
وكان إعلان ترامب واضحا أن "أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية أو شركاتها أو مطاراتها أو هيئاتها الحكومية بتقديم أي نوع من الدعم لإيران ستواجه عواقب اقتصادية وخيمة".
وهذا قد يفصم عرى شراكة إيران مع العديد من الدول، التي لن تغامر في فرض عقوبات على نفسها، وعليه فإن استمرار الحصار المالي وتوسيع العقوبات ليشمل الشركاء التجاريين لطهران ممن يتجاهلون تهديدات ترامب، قد ينسف تدريجيا مساحة المناورة أمام طهران، ويجعل الخيارات الاقتصادية المتاحة أمامها أكثر كلفة.
وفي خضم كل هذا السيناريو الصعب تراهن الحكومة الإيرانية على قدرتها التاريخية على التكيف مع العقوبات، لكن تبدو المرحلة المقبلة مختلفة تماما عما سبقها من مراحل تاريخية، إذ تتزامن الضغوط الخارجية من امريكا وحلفاءها مع نقاط ضعف إيرانية داخلية في العملة والطاقة والموازنة والقوة الشرائية، ما يهدد بمواجهة داخلية وتداعيات اجتماعية مدمرة.
وفي هذا المشهد القاتم ربما تتحول الحرب الاقتصادية التي تقودها واشنطن بفكر ترامب، من مجرد أداة ضغط على النظام في طهران إلى اختبار وجودي لقدرة هذا النظام الذي يعاني مع ضعف مزمن على الحفاظ على تماسك اقتصاده ومنع انتقال الأزمة من الأسواق إلى الشارع، ومن ثم نحو الهاوية الاقتصادية والاجتماعية، وصولا إلى الانهيار التام.






