أعلنت وزارة المالية السورية حزمة إجراءات لضبط وترشيد الإنفاق العام، بعد موافقة الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية على مقترح الوزارة، في ظل ضغوط متزايدة على تكاليف الطاقة والنقل والاحتياجات الأساسية.
إذ نصّت الإجراءات على عدم المساس بالرواتب والأجور، واستمرار تمويل القطاعات والخدمات الأساسية، بينها الصحة والتعليم والمياه والطاقة والأمن والسلامة العامة، إلى جانب النفقات التشغيلية والصيانة الضرورية، كما تتجه الوزارة إلى إعادة ترتيب أولويات المشاريع الاستثمارية، وتأجيل المشاريع غير الملحّة التي يمكن تأخيرها من دون التأثير في النشاط الاقتصادي أو الخدمات المباشرة للمواطنين.
ويطرح ذلك تساؤلاً حول قدرة ضبط الإنفاق على معالجة الاختلال بين الإيرادات والنفقات، وما إذا كان القرار يمثل استجابة للضغوط الحالية أم خطوة نحو تغيير أوسع في إدارة المالية العامة.
وفي قراءة خاصة لـSyria One، يرى المستشار الاقتصادي الدكتور زياد أيوب عربش أن القرار يجمع بين التعامل مع أزمة مالية وإعادة توجيه هيكلية للإنفاق ضمن حوكمة اقتصادية مطلوبة، لكن «الأزمة المفروضة» يجب ألا تبقى العامل الغالب في المرحلة الحالية، بل تنفيذ خطة مرنة ومتدرجة ضمن الإصلاح المالي والاقتصادي بعد عقود من الترهل وعدم إدخال الإصلاحات البنيوية منذ عقود.
عجز مفروض بعد فائض استثنائي
أشار ايوب عربش إلى أن عجز النصف الأول من عام 2026 كان لافتاً كون الإنفاق ارتفع بنسبة 331% مقابل نمو الإيرادات بنسبة 111%.
وربط ذلك بتضخم النفقات، ومن بينها رفع الرواتب وارتفاع تكاليف الاستيراد، مما ضيّق هامش الحركة أمام الموازنة، مشيراً إلى أن عام 2025 سجل أول فائض في الموازنة منذ عام 1990، بنحو 46 مليون دولار، وبالتالي فإن العجز الحالي يمثل، وفق قراءته، ارتداداً من فائض مؤقت إلى عجز فرضته الظروف الحالية.
في حين فرّق بين أنواع العجز، موضحاً أن العجز الناتج عن استيراد الآلات وخطوط الإنتاج يمكن أن يكون «عجزاً حميداً» إذا أدى إلى بناء قدرة إنتاجية لاحقة، كما أن العجز الناتج عن الإنفاق الاستثماري أفضل، من الناحية الاقتصادية، من العجز الناتج عن تضخم الإنفاق الإداري والاستهلاكي.
التأجيل يخفف الضغط.. ولكن
ويرى عربش أن تأجيل بعض المشاريع الاستثمارية يمكن أن يخفف الضغط على الموازنة في المدى القصير، لكنه يحمل مخاطر أكبر على المدى المتوسط إذا تحول إلى تقليص واسع للإنفاق الاستثماري.
واقترح تصنيف المشاريع إلى ثلاث فئات: مشاريع ذات أولوية تستمر، ولا سيما المرتبطة بالخدمات الأساسية أو التي تولد دخلاً أو توفر النقد الأجنبي؛ ومشاريع يمكن تأجيل عقود جديدة فيها؛ ومشاريع يمكن إيقافها بالكامل.
ويعتبر أن هذا التصنيف يسمح بحماية النشاط الاقتصادي نسبياً، لكن استمرار خفض الإنفاق الاستثماري قد يضعف مساهمته في النمو، خصوصاً أن الإنفاق الاستثماري يشكل نحو ربع موازنة عام 2026.
إذ تزاد أهمية هذا الجانب، في ظل احتياجات إعادة الإعمار التي تتجاوز 200 مليار دولار، ولأن تأجيل الاستثمارات قد يوسّع الفجوة المطلوبة مستقبلاً.
كيف تُرتّب المشاريع؟
يحدد الباحث أربعة معايير أساسية لترتيب أولويات المشاريع: درجة الضرورة، ومرحلة الإنجاز، والالتزامات القائمة، والأثر المالي والاقتصادي والخدمي، وبحسب هذه المعايير، ينبغي حماية الحد الأدنى اللازم لاستمرار عمل المؤسسات والخدمات، والحفاظ على الكلفة التي سبق تحملها في المشاريع القائمة، وتمويل المشاريع القادرة على توفير النقد الأجنبي أو توليد دخل مباشر.
بينما تحظى مشاريع الطاقة والمياه بأهمية خاصة ضمن هذا الترتيب، باعتبارهما، وفق عربش، من القيود الأساسية على النشاط الاقتصادي ومعيشة السكان.
أما الأولويات التي أعلنتها وزارة المالية، فتشمل الرواتب والصحة والتعليم والمياه، إلى جانب مشاريع الطاقة والأمن والنفقات التشغيلية والصيانة الضرورية لاستمرار عمل الجهات العامة.
أين يقع هامش التوفير؟
ويتابع عربش أنه بعد استثناء الرواتب والخدمات الأساسية من إجراءات الخفض، فإن الجزء الأكثر مرونة من الإنفاق سيتركز في بعض النفقات التشغيلية والمشاريع الاستثمارية القابلة للتأجيل، سيما و أن الرواتب وحدها شكّلت نحو ثلث الإنفاق خلال النصف الأول من عام 2026، ومع إضافة قطاعات الصحة والتعليم والأمن وغيرها من النفقات الضرورية، يصبح هامش الإنفاق القابل للتقليص محدوداً.
ويتركز هذا الهامش، وفق رؤية عربش في بعض النفقات التشغيلية المرنة، مثل الوقود والسفر والأثاث والمركبات، إلى جانب المشاريع التي لم تدخل حيز التنفيذ أو يمكن إعادة ترتيبها.
الخلل يبدأ من الإيرادات
وربط الخبير والمستشار عربش الاختلال المالي أيضاً بتراجع قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات، مشيراً إلى أن الإيرادات الضريبية التي كانت تمثل قبل الحرب نحو خمس الناتج المحلي الإجمالي، انخفضت إلى أقل من 5%، بينما أصبحت الإيرادات الجمركية ضعيفة.
ويرى أن معالجة الاختلال تتطلب، إلى جانب ضبط الإنفاق، تحسناً كبيراً في الإيرادات وإعادة هيكلة الموازنة ومراجعة مجمل سياسة الاستيراد والتصدير.
كما شدد على أن الانتقال إلى انضباط مالي مستدام لا يقتصر على الحكومة، بل يحتاج إلى إشراك القطاع الخاص والجهات المجتمعية والمدنية في السياسات الاقتصادية.
من ضبط الإنفاق إلى انضباط مالي دائم
لا يعتبر عربش بحسب ما قاله لـ Syria One القرار مجرد إجراء طارئ، بل يرى أنه يحمل توجهاً نحو ترسيخ انضباط مالي دائم، وإن كان هذا التحول لم يصبح بعد ممارسة مؤسسية مكتملة.
ففي هذا السياق، يشير إلى منحة بقيمة 20 مليون دولار قدمها البنك الدولي في آذار/مارس 2026 لتعزيز قدرات إدارة المالية العامة، بما يشمل ضبط الموازنة، والمشتريات الحكومية الرقمية، ونظاماً متكاملاً للمعلومات المالية، معتبراً أن ذلك يعكس توجهاً يتجاوز «التقشف» الظرفي نحو بناء أدوات مؤسسية للرقابة على الإنفاق.
وبحسب تصريحه، فإن ترسيخ هذا المسار يتطلب تحسناً كبيراً في الإيرادات، وإعادة هيكلة الموازنة، ومراجعة سياسات الاستيراد والتصدير، إلى جانب تحسين كفاءة الإنفاق وإشراك الأطراف المعنية، ومن دون إعادة بناء قاعدة الإيرادات، سيبقى ضبط النفقات معالجة لأعراض الاختلال المالي أكثر من كونه حلاً لبنيته.






