ارتدت عبير «اسم وهمي»، الحجاب وباتت تحصر تحركاتها بمحيط منطقة سكنها قدر الإمكان ولا تخرج من الحي إلا للعمل الذي كانت فكرة التخلي عنه واردة لولا إن شقيقها يتكفل بتوصيلها لمقر عملها لأن «طريقهما واحد»، وكل هذه الإجراءات نتيجة لتلقي «أخبار خطف السيدات»، من مواقع التواصل الاجتماعي بطريقة تثير الرعب في نفسها، وتقول لـ Syria One: يبدو الأمر حقيقياً، في كل مرة اقرأ فيها منشوراً يتحدث عن خطف أنثى أتخيل نفسي مكانها، وأفكر في آلية تلقي عائلتي خبر اختفائي، وكيف يمكن أن تنتهي قصة اختطافي في نهاية الأمر، اعتقد أن مثل هذا الاحتمال قد ييتسبب بكارثة في عائلة كل فتاة تخطف.
سجن اختياري
قررت ميس التي تبلغ من العمر ٣٥ عاماً أن تحول منزل ذويها لعالم متكامل دون الحاجة للخروج من المنزل إلا برفقة العائلة في زيارة ما أو فسحة، وقالت لـ Syria One إنها قامت بتعديل مهنتها في الصحافة وبحثت عن فرص العمل «فري لانس»، في كتابة المحتوى أو التحرير الصحفي من المنزل دون أن تخرج لمكان عمل، وصارت اخترع أنشطة موازية ضمن جدران غرفتها، وبقيت على هذه الحالة ما يقارب ٨ أشهر قبل أن تبدأ نسبياً بالتعافي النفسي من تلقي مثل هذه الأخبار، وأهم اجراء اتخذته هو مقاطعة موقع «فيسبوك»، بشكل نهائي لتجنب قراءة أي خبر من شأنه أن يعيد إليها حالة الرعب التي عاشتها.
الأمر ذاته بالنسبة لـ «سلوى» التي تبلغ من العمر ٣٠ عاما وتتحدر من إحدى الأقليات القومية التي تعيش سوريا، تقول: "ما لاحظته هو أن الأخبار التي تتحدث عن خطف واختفاء النساء لا تنحصر في شريحة مجتمعية معينة، وبالتالي فإن الأمر عشوائي ولا يبدو أنه قائم دائماً على أساس طائفي، وهذا ما جعلني أعيد التفكير في كل نشاطي اليومي، وبات المنزل مكاناً آمناً ولا أتحرك بقصد العمل إلا بمرافقة أحد أخوتي، لكني لم افكر في ارتداء الحجاب ولا تبديل مهنتي في الرسم والنحت، وذلك لأن مرسمي جزء من منزل عائلتي في الغوطة الشرقية.
تغيير جذري
الصحفية يارا شماع التي تعيش في حلب تقول في حديثها لـ Syria One، إن تغييراًجذرياً حدث في حياتها، خاصة بوجود بناتها، حيث تمنعهن من النزول لوحدهن من المنزل، وتوصيهن بتجنب السير بالقرب من سيارات «فان»، المركونة أو حتى الدراجات النارية.
تضيف الشماع بالقول: "أحاول تجنب فيسبوك وسواه من مواقع التواصل، وحول الأخبار المرتبطة بالخطف، أحاول التأكد من صحتها عبر اتصالاتي بالمحيط والمعارف قدر الإمكان، بمعنى أوضح، أحاول الحصول على المعلومة من مكان وقوع الحدث، لكن التعاطف مع المخطوفات وعوائلهن يتسبب لي بحالة من الاكتئاب الناتج عن فكرة تكرار القصص الموجعة دون إيجاد حل أو القدرة على المساعدة.
بدورها تقول الناشطة والصحفية سوزان علي التي تسكن وعائلتها في اللاذقية في حديثها لـ Syria One إن تحول الضحية لمجرد رقم هو أكثر ما يثير غضبها وخوفها من الأمر، مواقع التواصل تضج بأخبار عن المخطوفات، لدرجة تظن أن البلاد كلها مسرح جريمة، وهذا ينعكس على حياتها بشكل مباشر في الجانب المهني والشخصي معاً. لكن بالنسبة للروايات غير الصحيحة وأصحابها اللاهثين خلف الـ تريند، فهؤلاء يتسلقون على جراح ومصاب الضحايا الحقيقيين، ويجب على الدولة محاسبتهم كما يجب عليها محاسبة أي تحريض طائفي أو مناطقي.
ليست حقيقة مطلقة
بدورها تجد الناشطة جنا مصطفى أن «التعامل مع أخبار الخطف يحتاج قدراً كبيراً من الوعي والحذر، لأن هذا النوع من القضايا لا يمكن اختصاره بمنشور انفعالي أو التعامل معه كتريند لجمع التفاعل والمشاهدات، لذلك أكون حذرة جداً بكل كلمة أكتبها أو أقولها بهذا الخصوص، ولا أنشر أي معلومة قبل التحقق الكامل منها، حتى لو كان الجميع يتداولها بشكل سريع، والأهم بالنسبة إلي ألا يكون المحتوى سبباً بتعزيز الانقسام أو التحريض أو خلق حالة خوف وكراهية إضافية بين الناس».
وتضيف مصطفى في حديثها لـ Syria One: للأسف، أرى أن بعض ما يُنشر من قبل أشخاص يُقدَّمون كمؤثرين يركّز على التفاعل أكثر من المسؤولية، وهذا برأيي يساهم أحياناً بتمييع القضية وتحويل معاناة حقيقية إلى مادة استهلاكية، وهذا خطأ كبير، أما بالنسبة للقصص التي تُروى بعد الخطف، فأنا أتعامل معها بحذر أيضاً، لأن جزءاً كبيراً منها يكون محاطاً بالصدمة والخوف والتضارب، لذلك لا يمكن التعامل مع أي رواية باعتبارها حقيقة مطلقة قبل التحقق والتدقيق.
وتقول مصطفى أيضا: هذه الأخبار لم تغيّر أسلوبي مهنياً، لأنني أؤمن أساساً أن أي عمل إعلامي يجب أن يقوم على التحقق والمسؤولية، وأن الصحفي أو صانع المحتوى لا يجب أن يتحول إلى طرف تحريضي أو ناقل للشائعات، أما على المستوى الشخصي، فأعتقد أن المرحلة الحالية تفرض على الجميع حذراً إضافياً، سواء بالحركة أو بالتعامل مع الآخرين أو بالوعي بالمحيط، مع ضرورة عدم منح الثقة بشكل سريع لأي شخص.
وبرأيي هذا النوع من الوعي والحذر يجب أن يكون دائماً، وليس مرتبطاً فقط بمرحلة معينة.
بين الإدراك والخوف
الصحفية راما خليل، والتي تعيش مع أسرتها في دمشق، تقول في حديثها لـ Syria One: انطلاقاً من عملي الصحفي، فإن الطريقة التي تصلني بها أنباء الاختطاف عبر منصات التواصل الاجتماعي قد غيّرت بوضوح إيقاع نشاطي اليومي، ويمكن الجزم بأن هذه الأنباء عزّزت إدراكي للتحديات الأمنية والمجتمعية السائدة في محيطنا، وأصبحت أكثر دقة في رصد المستجدات المحلية والتحقق من مصداقيتها، ولعل أبرز التحولات يتمثل في تخصيصي لوقت أطول للتأكد من هذه الأخبار قبل طرحها أو التفاعل معها، خصوصاً مع انتشار ما يندرج تحت التضليل أو الشائعات غير المؤكدة، فأحرص على تدقيق الوقائع ومراجعة مصادرها بدقة أكثر، إذ إن تداول معطيات غير موثقة قد يزيد الهلع بين الناس.
وتقول خليل: فيما يخص التعاطي مع هذا النوع من الاخبار، أتوخى أقصى درجات الحيطة قبل إعادة نشرها للجمهور، حيث أن التفاعل مع هذه الأخبار يتطلب مني أيضاً التفكير في كيفية تأثيرها على المجتمع وكيف يمكنني كصحفية المساهمة في تعزيز الوعي أو تقديم الحلول والاقتراحات.
تنميط إضافي
تعرض أحد افراد عائلتة «ريم» لتجربة الخطف، وتقول الناشطة النسوية في حديثها لـ Syria One إن أخبار الخطف ليست حدثاً عابراً بالنسبة لها، خاصة وإن هذه الأخبار تتزايد بشكل يومي، وهي تعلق أخبار اختفاء النساء على قصص غير حقيقية، وفي كل مرة اسأل نفسي عن نهاية هذه الأخبار وإلى أين يمكن أن تصل في حال تراكمها وتكرارها.
وتضيف ريم التي تعيش مع عائلتها في منطقة جرمانا شرق العاصمة: "هذه الجرائم تزيد من تنميط النساء ولأن مجال عملي هو دعم وحماية النساء، فإن احتكاكي مع هذه القصص يكون أكثر من بقية الناس, وعلى الرغم من كون هذه الجرائم والأخبار لم تؤثر على حياتي المهنية أو الشخصية، لكن أحاول التعامل معها بمنطق وعلاقنية، وأحاول نقل الخبر بدون التأثير على حياة الناجين/ات، لكن الحذر واجب، خاصة وإني على علم تام بما يحدث وكيف تعيش أسرة المخطوف أيام اختفائه.






