انخفاض درجات الحرارة يعيد طرح السؤال السنوي بين السوريين: "بماذا سنتدفأ هذا العام؟". وزاد إلحاح السؤال مع ارتفاع أسعار المحروقات لمستويات غير مسبوقة في سوريا، لكن الأمر بالنسبة لأم عبود التي تقطن في مدينة الحسكة يعتبر كارثياً على المستوى الاقتصادي، إذ تقول لـ Syria One، خلال السنوات السابقة كنا نحصل على وقود التدفئة بأسعار مناسبة جداً لذوي الدخل المحدود والفقراء، لكن ما تشهده مدينة الحسكة منذ فترة بفقدان مادة "المازوت"، وما نتج عنه من تعطل أعمال مولدات الكهرباء الخاصة التي تعد المصدر الوحيد للطاقة الكهربائية في المدينة، يشير إلى أن الشتاء لهذا العام سيكون قاس جداً على سكان المدينة الذين سيجبرون على البحث عن بدائل لمادة "المازوت"، فقد كنا ننفق ما يقارب 300 ألف ليرة سورية قديمة على التدفئة طيلة الشتاء، لكن الأسعار الجديدة تعني أن هذا الرقم من المال لن يكفي للحصول على "مازوت"، كاف لـ أسبوع واحد فقط، وهذا الأمر يجب أن تراعيه الحكومة، فالفقراء لا يبحثون عن المازوت خلال الشتاء من أجل سياراتهم الفارهة، بل لتدفئة منازلهم التي قد يكون بعضها مبنياً من الطين والخشب لشدة فقرهم.
خيارات غريبة
يقول أبو سلمان الذي يقطن إحدى القرى التابعة لمدينة مصياف في حديثه لـ Syria One: "خلال فترة الصيف، عملت وأولادي على جمع ما تيسر من حطب وثمار شجر الصنوبر التي تتحول مع الوقت إلى قطع خشبية، لتكون وقوداً نستخدمه خلال فترة الشتاء، فشراء الحطب أو الوقود ليس من الخيارات المتاحة لسكان مناطق الريف التي تقف فيها فرص العمل ويعتمد سكانها على العمل الزراعي لتحصيل لقمة العيش، كما أن الأسعار التي أعلنتها الحكومة بما في ذلك النوع الذي خصص للتدفئة، ليس متاحاً لمن لا يملكون القدرة المالية على شرائه، وبالتالي بات جمع العيدان واغصان الشجر اليابس وما تيسر من مواد زراعية قابلة للاشتعال هو الخيار الأنسب بالنسبة لأسرتي".
فيما تقول أم غيث التي تعيش في قرية الحسينية بريف دير الزور الشمالي، إنها خلال فترة الصيف، عملت مع جاراتها على صناعة "الجلة"، وتشرح السيدة الستينية خلال حديثها لـ Syria One، الأمر بالقول: إن (الجلة) نوع من وقود التدفئة الذي يصنع من روث البقر والقش وبعض العيدان، وبعد أن يتم عجنها وتشكيلها في أقراص توضع تحت أشعة الشمس لتجف وتخزن قبل استخدامها في فترة الشتاء، وعلى عكس المتصور، فهي لا تصدر روائح مزعجة نهائياً، واشتعالها يؤمن الدفء للمنازل، وقد عاد عدد كبير من سكان ريف دير الزور لاستخدام هذا النوع من الوقود خلال سنوات الحرب بسبب عدم توافر المحروقات أو غلاء ثمنها، ومع الارتفاع الأخير في أسعار المحروقات الحكومية وانعدام وإيقاف "الحراقات"، عن إنتاج الوقود البدائي، فإن غالبية سكان ريف دير الزور سيكونوا ملزمين بالبحث عن وسائل تدفئة بديلة، وقد يلجاً البعض إلى قطع الأشجار بشكل عشوائي لتأمين الحطب الكافي للشتاء، فيما تعتبر "صوبية الجلة"، هي البديل الأفضل لسكان الريف والتي ستعود للانتشار بقوة خلال العام الحالي كما أتوقع.
وبالنسبة لـ أم حسين التي تسكن في حي المزة 86، تقول بأنها لن تستخدم وسائل التدفئة لهذا العام إلا عند الضرورة القصوى، مثل استقبال الضيوف أو هطول الثلج، فالسيدة الستينية تقول في حديثها لـ Syria One، إن أسعار المازوت الجديدة، والاسعار الفلكية للكهرباء، إضافة لوصول أسطوانة الغاز المنزلي لمبلغ 160 ألف ليرة قديمة في أحسن الأحوال، يعني أن خيارات التدفئة محصورة بالحطب أو المخلفات البلاستيكية، وكلا الخيارين غير مناسب للاستخدام في المنازل الواقعة في أحياء عشوائية، فمدفئة الحطب تحتاج لمدخنة مستقيمة مع السقف لتعمل بالطريقة المناسبة ودون أن تسبب حدوث تسرب دخان داخل الغرفة وهذا الخيار غير متاح في معظم منازل المناطق العشوائية، كما إن إشعال المخلفات البلاستيكية يسبب روائح كريهة جداً تصل لمنازل الجيران، وخلال العام الماضي جربتها إلا أن شكوى الجيران من الروائح دفعني للتخلي عن هذا الخيار بالمطلق، وهكذا ربما تكون "البطانيات"، هي الوسيلة المثلى للتدفئة خلال هذا العام.
ويعد "زيت الكاز"، من الخيارات المطروحة بالنسبة لأحمد الحسن، ليكون وقوداً للتدفئة خلال العام الحالي، ويقول في حديثه لـ Syria One: منذ مدة وأنا أجد إعلانات لمدافئ تعمل بمادة "الكورسين"، التي يسميها البعض بـ "النفط"، وآخرين بـ "زيت الكاز"، وحسب المعلومات التي توفرها الإعلانات فإن المدفئة التي يبدأ سعر أنواعها من 500 ألف ليرة سورية قديمة، تحتاج لكميات بسيطة من هذا الوقود الذي يقف سعره عند حدود 12 ألف ليرة سورية لليتر الواحد، وأن احتراق هذه المادة ضمن هذا النوع من المدافئ يكون توفيرياً، لكن هل هذه الإعلانات حقيقية؟، والإجابة عن هذا السؤال تحتاج للكثير من الاستفسار عبر اشخاص استخدموا مثل هذا النوع من المدافئ، والأمر بالنسبة لي يعتبر ضرورة قصوى إذ أسكن في طابق تحت الأرض (قبو)، وبالتالي لا بد من وسيلة تدفئة آمنة وموفرة، وإلا سيكون شتاء طويلاً وقاس على أسرتي.
تقنين إلزامي
بالنسبة لأبو مقداد، الأمر يبدأ من عدم القدرة على شراء مدفئة جديدة أصلاً لمنزله الكائن في منطقة المزة، ويقول في حديثه لـ Syria One إن البحث عن مدفئة جديدة سيكون أمراً مستحيلاً مع أسعار تصل لملايين الليرات بالنسبة لبعض الأنواع، وبالتالي صيانة المدفئة القديمة سيكون الخيار الوحيد المتاح لشخص مثلي لا يتعدى راتبه الشهري مليون ليرة سورية قديمة، وعلى هذا الأساس قد يكون خيار التدفئة بالمازوت إلزامياً نتيجة طبيعة منزلي، وعليه سيكون من الإلزامي أيضاً أن نمارس نوعاً من تقنين الدفء، فنحدد ساعات عمل غير طويلة للمدفئة، ساعة صباحية، وساعة أو اثنتين في المساء، ورغم ذلك سيكون الأمر مكلفاً.
وبدورها تقول نورا الخالد لـ Syria One، إن ضرورة التدفئة - خاصة في فترة دراسة الأبناء مساءً - تدفعها للتفكير بخيارات تدفئة متعددة، مثل الحصول على مدفئة تعمل بمادة "البيليت"، وهي من المواد الحديثة التي يتم التعامل بها في الأسواق، ولأن الحصول على هذه المدفئة يعتبر مرهقاً مادياً، فقد لجأت إلى أن تتشارك وجاراتها ب "جمعية"، لتتمكن من شراء المدفئة مع كميات من مادة "البيليت"، وقد استقرت على الأمر بعد سؤال أشخاص استخدموا هذه المدفئة قبلها، حتى أنها سألت "تشات جي بي تي" عنها، توصلت لإحساس بأنها آمنة وتعتبر من خيارات التوفير في ظل الظروف المادية التي يمر بها غالبية السوريين، لكن سيكون أمامها اختبار التقنين بقرار ذاتي، إذ لا بد من أن تكفي الكمية التي شتشتريها لفصل الشتاء كاملاً، أو ستضطر لاستدانة مبالغ مالية لتأمين كميات إضافية.






