كشفت مصادر حكومية، عن مقترح قيد الدراسة لتعديل نظام الدوام الرسمي في سوريا، يهدف إلى إعادة توزيع الساعات الأسبوعية عبر إلغاء عطلة السبت في بعض القطاعات، أو إطالة أيام العمل الأخرى، بما يتماشى مع السقف القانوني المحدد بـ 48 ساعة عمل أسبوعياً.
اللافت أن، مشروع "قانون الخدمة المدنية" الذي وضعته وزارة التنمية الإدارية، أشار في مواده بأحقية الموظف براحة مأجورة لا تقل عن يوم واحد في كل أسبوع، مع تحديد ساعات العمل اليومية الفعلية بحيث لا تقل عن /6/ ساعات ولا تزيد عن /8/ ساعات في اليوم الواحد بمعدل /48/ ساعة في الأسبوع.
الدراسة المذكورة أثارت موجة من الاستياء بين الموظفين، إذ قال أبو محمد (موظف) لـ Syria One: "إلغاء عطلة السبت هو عبء مالي وضغط نفسي إضافي علينا، في ظل أزمة النقل الحالية وارتفاع تكاليف المواصلات، يوم السبت يوفر علينا مصاريف تنقل ليوم كامل، ويوفر على الدولة أيضاً طاقة وتشغيل آليات، أما فكرة تمديد الدوام للساعة الرابعة عصراً فهي أسوأ، لأن الموظف سيصل إلى منزله ليلاً مستهلكاً تماماً".
أما رانيا، فتضيف: "كموظفة وأم، يوم السبت هو المتنفس الوحيد لإنجاز الواجبات المنزلية ومتابعة تدريس الأبناء وتأمين احتياجات الأسبوع، وإذا تم إلغاء العطلة أو تمديد الدوام اليومي، سيؤدي ذلك إلى تفكك التزاماتنا الأسرية، ولن يعود هناك أي توازن بين العمل والحياة الاجتماعية".
ويجمع العديد من الأهالي والناشطين، على أن "الإنتاجية لا تقاس بزيادة عدد ساعات الدوام أو إلغاء العطل، بل بتحسين بيئة العمل وتحفيز الموظف".
أثر ضغط العمل وغياب فترات الراحة
تؤكد الباحثة الاجتماعية والنفسية، د. غالية اسعيد، في حديث لـ Syria One، أن فترات الراحة والعطلة الأسبوعية، تعد جزءاً أساسياً من التوازن النفسي والمهني، ولا يمكن النظر إليها باعتبارها وقتاً منفصلاً عن منظومة العمل والإنتاج، فاستمرار العمل لفترات طويلة مع محدودية فرص الاستشفاء النفسي والجسدي يؤدي إلى تراكم الإرهاق ويؤثر تدريجياً في التركيز والدافعية والقدرة على اتخاذ القرار، وقد يرفع مستويات التوتر والاحتراق الوظيفي.
وتشير الأدبيات النفسية والمهنية، إلى أن الإرهاق المزمن لا يؤثر في العامل وحده وإنما ينعكس أيضاً على جودة الأداء ومعدلات الأخطاء والقدرة على حل المشكلات والعلاقات داخل بيئة العمل وبالتالي على الإنتاجية العامة للمؤسسة بحسب اسعيد. لتتابع: "وفي المقابل تمنح العطلة الأسبوعية الإنسان، فرصة لاستعادة موارده النفسية والجسدية وتنظيم النوم وممارسة حياته الأسرية والاجتماعية والابتعاد المؤقت عن الضغوط المهنية، وتساعد هذه المساحة على العودة إلى العمل بدرجة أفضل من التركيز والاستعداد النفسي".
تجارب تثبت العكس!
وتقدم التجارب الدولية الحديثة، مؤشرات لافتة في هذا المجال، ففي آيسلندا مثلاً خضعت تجارب واسعة لتقليل ساعات العمل إلى نحو 35–36 ساعة أسبوعياً، دون خفض الأجور وشملت قرابة 2500 موظف، وأظهرت النتائج تحسناً في التوازن بين الحياة والعمل والرفاه النفسي وانخفاضاً في مؤشرات الضغط والاحتراق النفسي، مع بقاء الإنتاجية وجودة الخدمات مستقرة أو تحسنها في غالبية أماكن العمل المشاركة بحسب اسعيد، وفي بريطانيا شملت تجربة الأسبوع الأقصر 61 شركة ونحو 2900 موظف، وانخفضت ساعات العمل الأسبوعية بالتزامن مع انخفاض مستويات التوتر والاحتراق الوظيفي وتحسن التوازن بين الحياة والعمل، فيما قررت 92% من الشركات المشاركة الاستمرار في تطبيق النظام بعد انتهاء التجربة.
كما اتجهت بعض الدول إلى إعادة تنظيم أسبوع العمل بصورة رسمية، ففي دولة الإمارات، أصبح نظام الدوام الحكومي الاتحادي أربعة أيام ونصف أسبوعياً، بينما تعتمد إمارة الشارقة أربعة أيام عمل من الاثنين إلى الخميس مع عطلة تمتد لثلاثة أيام.
وبحسب الباحثة الاجتماعية والنفسية، فإن هذه التجارب، تكشف عن نقطة مهمة وهي تقليل أيام العمل، وهذا لا يعني بالضرورة تقليل الإنتاجية، كما أن زيادة يوم عطلة لا تؤدي تلقائياً إلى زيادة الإنتاجية، فالنتائج ترتبط بطريقة تطبيق النظام وإعادة تنظيم ساعات العمل والإجراءات وآليات قياس الأداء، متابعة: "ويختلف الأمر أيضاً بين القطاعات، فبعض الوظائف تحتاج إلى حضور مستمر واستمرارية في تقديم الخدمات، بينما تسمح وظائف أخرى بمرونة أكبر في توزيع ساعات العمل، لذلك فإن أي تعديل في نظام الدوام يحتاج إلى دراسة طبيعة كل قطاع وقياس النتائج بصورة موضوعية".
كما أكدت أن، تمديد ساعات العمل اليومية لتعويض يوم عطلة إضافي، قد لا يحقق الفوائد النفسية نفسها، لأن الهدف من العطلة ليس مجرد نقل ساعات العمل من يوم إلى آخر، وإنما توفير فترة حقيقية لاستعادة الطاقة النفسية والجسدية، ومن هنا فإن تقييم أي نظام جديد للدوام ينبغي ألا يعتمد فقط على عدد ساعات وجود الموظف في مكان العمل وإنما على مجموعة متكاملة من المؤشرات، تشمل الإنتاجية وجودة الخدمات ومعدلات الغياب والأخطاء المهنية والرضا الوظيفي ومستويات الضغط والاحتراق النفسي وكفاءة إنجاز المهام.
وختمت الباحثة اسعيد كلامها بالقول: "العمل المستدام لا يقوم على زيادة ساعات الحضور، بقدر ما يقوم على تحقيق التوازن بين وقت العمل ووقت الاستشفاء والراحة، والموظف الذي يحصل على راحة كافية يكون أكثر قدرة على الحفاظ على التركيز والدافعية والأداء الفعال على المدى الطويل، وبالتالي فإن دراسة زيادة أيام الراحة لا ينبغي أن تطرح باعتبارها مفاضلة بسيطة بين العمل والعطلة، وإنما باعتبارها نقاشاً حول إعادة تصميم بيئة العمل بما يحقق أعلى كفاءة ممكنة مع الحفاظ على الصحة النفسية للموظف واستدامة الإنتاجية".






