غنوة المنجد
تستعيد دمشق في كل عام طقساً تراثياً عريقاً يعرف باسم تكريزة رمضان، يُعد بمثابة وداع لشهر شعبان واستقبال لرمضان بأجواء اجتماعية، إذ لا يزال الدمشقيون متمسكين بهذه العادة رغم الظروف الاقتصادية الصعبة بشكل يعكس تمسّكهم بهويتهم وحرصهم على إبقاء طقوسهم حيّة مهما تبدلت الأحوال.
موقع Syria One التقى مع العديد من الأهالي ممن يخططون لإحياء هذه العادة، حيث تقول السيدة أم محمد، وهي أم لخمسة أبناء تستعد للذهاب مع عائلتها إلى الربوة: "نبدأ التحضير للتكريزة قبل أسبوع، نخطط للأكلات التي سنطبخها، هذه العادة تمنحنا طاقة إيجابية قبل رمضان، ولا يمكن أن نتخلى عنها مهما كانت الظروف".
أما الشاب سامر، فيرى أن التكريزة أصبحت متنفساً حقيقياً: "نخرج من ضغوط الحياة ليوم واحد، نطبخ على الحطب ونضحك ونشعر أن رمضان قريب".
بينما يؤكد أبو رامي، وهو موظف حكومي يخطط مع أسرته لاختيار مكان مناسب للسيران، أن تكريزة رمضان بالنسبة لهم ليست مجرد نزهة، بل فرصة لنجتمع كعائلة بعيداً عن ضغوط الحياة، وبرأيه من المهم الحفاظ على هذه العادة.مكاتب سياحية تستثمر في العادة الدمشقية
مكاتب سياحية تستثمر في العادة الدمشقية
ومع تزايد الاهتمام الشعبي بهذه الطقوس، بدأت مكاتب سياحية في دمشق بتنظيم رحلات جماعية تحت عنوان "تكريزة رمضان"، مستفيدة من الإقبال الكبير على هذا النوع من النشاطات.
يقول صاحب أحد المكاتب السياحية في دمشق لموقع Syria One : "نقدّم برامج خاصة للتكريزة تتضمن نقلاً جماعياً، وجلسات تراثية، ووجبات مطبوخة على الطريقة الدمشقية، الإقبال كبير لأن الناس تبحث عن أجواء تجمع بين التراث والراحة".
ويضيف أن هذه الرحلات أصبحت جزءاً من الحركة السياحية الداخلية، خصوصاً في عطلات نهاية الأسبوع التي تسبق رمضان.
ويضيف صاحب مكتب آخر في باب توما: "هناك عائلات لا تمتلك الوقت أو القدرة على تنظيم التكريزة بنفسها، لذلك نوفّر لهم كل شيء من أدوات الطبخ إلى الجلسات العربية، الإقبال كبير".
عادة دمشقية أصيلة
يؤكد الباحث في التراث الدمشقي وصاحب "البيت الدمشقي للتراث" هيثم طباخة أن تكريزة رمضان ليست مجرد نزهة، بل طقس اجتماعي متجذر في الذاكرة الدمشقية.
ويقول في حديثه لموقع Syria One: قديماً، كانت العائلات الدمشقية تتجه إلى أماكن السيران التقليدية مثل الربوة، المليحة، أو أطراف الغوطة، محمّلين بالسلال والطناجر والببور وأدوات الطبخ، وتتحول هذه الرحلات أحياناً إلى فرصة للتعارف بين العائلات، وقد كانت — كما يروي كبار السن — سبباً في نشوء صداقات وخطوبات وزيجات.
تكريزة رمضان عادة دمشقية قديمة كانت تُقام قبل رمضان بنحو عشرة أيام في سيران عربي بسيط، بحسب طباخة، مضيفاً: "نحن نحافظ منذ ثماني سنوات على إحياء هذه الطقوس في الربوة، وحالياً نستعد لتنظيم تكريزة تراثية خلال الأيام المقبلة".
ويشرح أن اسم تكريزة رمضان جاء من العبارة الشعبية القديمة (كروج قدامي)، التي كان يقولها الأب لابنه أثناء السير محمّلين بالأغراض.






