شهدت مدينة الحسكة، اليوم الجمعة، استمرار الحراك الشعبي المطالب بتعزيز حضور الدولة السورية وتوحيد المؤسسات الأمنية والإدارية، تحت شعار «جمعة لا علم إلا علم الجمهورية العربية السورية»، وذلك امتداداً للتحركات التي شهدتها المدينة خلال الأسبوعين الماضيين، والتي تركزت على مطالب الأمن والاستقرار وتفعيل المؤسسات الرسمية وإنهاء الازدواجية الإدارية والأمنية.
وجاءت تحركات اليوم بعد يوم شهد توتراً أمنياً عقب مراسم رفع علم الجمهورية العربية السورية في ساحة السلام، وسط المدينة، الخميس، بحضور رسمي وشعبي، في خطوة تزامنت مع تسارع إجراءات دمج المؤسسات والقوى الأمنية ضمن هياكل الدولة.
رفع العلم.. وتوترات أعقبت المراسم
وكانت ساحة السلام قد شهدت، بعد ظهر الخميس، مراسم رفع العلم السوري بحضور محافظ الحسكة نور الدين أحمد، ونائبه أحمد الهلالي، وعدد من المسؤولين وأعضاء مجلس الشعب وشيوخ ووجهاء العشائر وممثلين عن الأجهزة الأمنية والعسكرية.
وأكد المحافظ خلال الفعالية أن العمل خلال الأشهر الماضية تركز على تنفيذ إجراءات الدمج وفق التفاهمات المعلنة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية «قسد»، مشيراً إلى أن دمج المديريات والمؤسسات وصل إلى مراحل متقدمة، وأن المرحلة المقبلة ستتجه نحو تحسين الخدمات المقدمة للسكان.
كما أكد نائب المحافظ أن العلم السوري يمثل جميع مكونات المجتمع، من عرب وكرد وسريان، في رسالة شددت على وحدة المحافظة وضرورة الحفاظ على السلم الأهلي.
لكن مراسم رفع العلم تزامنت مع توترات في محيط الساحة.
وبعد انتهاء المراسم، تجدد التوتر مع خروج سيارات تحمل رايات كردية من المنطقة، إذ أفاد شهود بأن شباناً رشقوها بالحجارة، ما أدى إلى مشادات وتحطيم زجاج عدد من السيارات، قبل تدخل قوى الأمن العام لاحتواء الموقف.
انتشار أمني واحتواء للتوتر
وامتدت التطورات الأمنية إلى مناطق أخرى من المدينة، بينها حي المفتي، حيث وصلت تعزيزات أمنية عقب الاعتداء على سيارة تابعة للأمن العام. كما أُغلق جسر البيروني الواصل بين حي غويران وساحة المحافظة، إلى جانب إغلاق طرق ومداخل مؤدية إلى مركز المدينة، في إطار إجراءات احترازية هدفت إلى الحد من الاحتكاكات وضبط الوضع الأمني.
وتحدثت مصادر محلية نقلت عنها وسائل إعلام عن إطلاق نار من عربة قيل إنها مرتبطة بعناصر من الشبيبة الثورية التابعة لمنظومة «قسد» سابقاً، مشيرة إلى ملاحقتها من قبل عربات الأمن العام. ولم تتوافر حصيلة مستقلة مؤكدة بشأن وقوع إصابات جراء إطلاق النار.
وفي مواجهة هذه التطورات، تمكن رجال الأمن، عبر الانتشار والتدخل الميداني، من احتواء جانب من التوتر ومنع اتساع الاشتباكات، وصولاً إلى عودة الهدوء وفق ما نقلته تقارير إعلامية مساء الخميس.
وتبرز أهمية هذا التدخل في منع تحول الخلافات السياسية إلى مواجهات بين أبناء المدينة، والحفاظ على سلامة المواطنين وممتلكاتهم، وضمان بقاء التحركات الشعبية ضمن إطار سلمي.
دعوات متواصلة منذ أسبوعين
ومنذ نحو أسبوعين، تتداول مواقع التواصل الاجتماعي دعوات للخروج في مظاهرات بمدينة الحسكة، للمطالبة بتعزيز سلطة الدولة السورية وتوحيد المرجعيات الأمنية والإدارية، وتسريع تنفيذ اتفاقات الدمج، وإعادة تفعيل المؤسسات الحكومية والقضاء.
وشهدت المدينة خلال الأسبوع الماضي مظاهرة شارك فيها أبناء من المحافظة، انطلقت من محيط مسجد أبي بكر الصديق في حي غويران باتجاه مركز المدينة، ورفعت مطالب تتعلق بالأمن وحصر السلاح بيد الدولة، وتفعيل المحاكم والدوائر الرسمية، وتحسين الخدمات وتهيئة الظروف لعودة المهجرين.
وتجددت الدعوات هذا الأسبوع لتنظيم تجمع جماهيري عقب صلاة الجمعة، مع التأكيد، في منشورات متداولة، على رفع علم الجمهورية العربية السورية وتنظيم الحراك بصورة سلمية، وعدم استهداف أي مكون من مكونات المحافظة.
وتشير المطالب المنشورة إلى أن الحراك يتجاوز رمزية العلم، ليشمل ملفات القضاء والخدمات والكهرباء والمياه والنظافة والبنية التحتية، إلى جانب المطالبة بتوحيد الأجهزة الأمنية وإنهاء تعدد الجهات التي تتولى إدارة الشؤون العامة.
الحشود ومستقبل الحراك في
ومع استمرار التجمعات وتوافد المشاركين من مناطق في الريف، تتجه الأنظار إلى إمكانية اتساع الحراك ليشمل أحياء أخرى من الحسكة، بما فيها الأحياء ذات الغالبية الكردية التي كانت ضمن مناطق نفوذ «قسد» والإدارة الذاتية.
ويضع هذا الاحتمال مسؤولية إضافية على الجهات الأمنية والمنظمين، لضمان سلامة التجمعات ومنع الاحتكاكات، واحترام حقوق السكان وخصوصيتهم الثقافية والقومية، وتجنب أي خطاب قد يُفهم على أنه استهداف لمكون بعينه.
وتؤكد بعض الصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي امتداد المظاهرات إلى جميع الأحياء المشار إليها أو وصول الحشود إليها بأعداد كبيرة.
وفي هذا السياق، فإن نجاح الحراك في إيصال مطالبه يرتبط بقدرته على الحفاظ على طابعه السلمي، وباستجابة المؤسسات الرسمية للمطالب المتعلقة بالأمن والقضاء والخدمات، بعيداً عن أي تصعيد قد يضر بالعلاقات بين أبناء الحسكة.
استكمال الدمج.. الاختبار الأهم
تأتي هذه التطورات في مرحلة حساسة من مسار توحيد المؤسسات في المحافظة، مع استمرار الإجراءات المتعلقة بتسليم المواقع الأمنية والعسكرية ودمج المديريات ضمن مؤسسات الدولة.
وكانت خطوات سابقة قد شملت تسلّم مواقع أمنية، والتحضير لإعادة افتتاح القصر العدلي، وتعزيز انتشار قوى الأمن الداخلي في عدد من المناطق، في إطار التفاهمات المعلنة بين الحكومة السورية و«قسد».
ويترقب السكان ترجمة هذه الإجراءات إلى واقع ملموس، يتمثل في انتظام عمل المؤسسات، وتسهيل إنجاز المعاملات، وتفعيل القضاء، وتحسين الخدمات، وضمان الأمن وعودة المهجرين إلى مناطقهم.
وبين الحراك الشعبي والتحديات الأمنية، تبقى المحافظة أمام اختبار يتعلق بقدرة جميع الأطراف على الانتقال من تعدد المرجعيات إلى مؤسسات موحدة، مع ضمان الحقوق المتساوية لجميع المواطنين.
فالحسكة، بتنوعها القومي والثقافي والاجتماعي، تحتاج إلى استقرار يقوم على القانون والمواطنة، وإلى مؤسسات قادرة على خدمة الجميع دون تمييز، بما يحفظ وحدة سورية ويصون السلم الأهلي.
ومازال الحراك مستمراً مع تطوره إلى جميع احياء المدينة بعد توسع المظاهرات في ساحة المدينة التي لم تعد تستوعب الطوفان البشري. ليمتد نحو الاحياء الشمالية ذات الأغلبية الكردية.






