المنازل المهجورة هي الركيزة الأساس في الحكايا الشعبية التي تتحدث عن "الجن والعفاريت"، وغالباً ما تكون هذه المنازل بمواصفات متكررة بحيث يكون "منزل متطرف في منطقة نائية"، ولا تحتوي المنطقة عادة أكثر من منزل مهجور إلا في حالات لا تتعلق بالظرف الطبيعي للبشر، وأن يكون ثمة عدة مباني يمكن وصفها بـ "القصور"، مهجورة في منطقة كـ "الحلبوني"، وسط دمشق، فإن الحكاية تشكل نقطة علام فارقة خاصة وإنها منطقة تجارية قريبة من مجموعة نقاط سياحية ودراسية وليست بالبعيدة عن سوق الحميدية الأكثر شهرة في العاصمة السورية، فمن أين تبدأ الحكاية.
يقول "أحمد أبو وائل"، في حديثه لـ Syria one إلى أن المنازل التي هجرت من قبل سكانها منذ عقود تعد من العقارات الكبيرة في المنطقة، وغالب الظن عند سكان الحي القدامى أن أصحاب هذه المنازل مختلفين على الميراث بما يعقّد عملية البيع، أو إنهم خارج البلاد وتحتاج عملية البيع إلى إجراءات قانونية كبيرة، أو ربما إن أبناء أو أحفاد أصحاب المنازل قد نسوا أن لهم أملاكاً أساساً في البلاد، وعموماً فإن هذه المنازل وإن كانت مغلقة منذ عقود إلا أن سكان حي الحلبوني اعتادوا عليها معتمة، ولا يوجد من يروي عنها حكايا ترتبط بـ الجن أو العفاريت أو أياً من الخرافات الأخرى التي يمكن تداولها في مثل هذه الحالة، وقد تبدو هذه المنازل ملفتة الآن فقط للمارة أو الغرباء عن الحي الذين يزورونهم بقصد التبضع من المكتبات أو دور النشر المتواجدة فيه، أما سكان الحي فقد لا يلتفتون إليها نهائياً.
وبالنسبة لـ ميسون الحمادي والتي تعمل في منطقة الحلبوني، فإنها تتجنب المرور بالقرب من المنازل المهجورة أو تمشي بسرعة حينما يكون الاقتراب منها إلزامياً، خلال عودتها من مكان عملها إلى المنزل الذي تقطنه في منطقة "نهر عيشة" جنوبي العاصمة، وتقول لـ Syria one: خلال ساعات الليل تبدو هذه المنازل وكأنها منازل أشباح ومسكونة بالجن والعفاريت، أو إنها مكان مناسب لأفلام الرعب، وغالبا ما أصل برتم خطواتي إلى ما يشبه الركض حينما أمر بالقرب من أحدها ليلاً، وعلى الرغم من إن حكايا الجن والعفاريت خيالية بالنسبة لي ولا تمت لأرض الواقع بصلة إلا أن شكل هذه المنازل من الخارج يوحي بالكثير من الخوف.
في حين يقول يونس الخليل لـ Syria one: المباني المهجورة في الحلبوني يمكن أن تتحول لاستثمارات سياحية أو ثقافية إذا ما أعيد تأهيلها وترميمها، والقيمة المادية لهذه العقارات تبدأ من قدم هذه المباني التي تقارب أن تكون أثرية، والتي يزيد عمر بعضها عن المئة عام حاليا، وهي مباني مختلفة من حيث المواد المستخدمة في بنائها عن منازل أحياء دمشق القديمة، وتعتمد نظاماً مختلفاً تماماً عن المدينة القديمة، فهي مباني متجاورة بدون فسحات سماوية كما هو الحال في مناطق مثل "باب توما – باب شرقي"، وتعتمد على الحجارة البيضاء وبطبقات متعددة وفسحة صغيرة أمام المنزل، مع شُرف تطل على الشارع، وربما اختيار هذه المواد هو ما جعلها تمتلك القدرة على مقاومة الإهمال، ومع إنه هناك مبان آيلة للسقوط إلا أن غالبية المنازل المهجورة والتي يقدر عددها بنحو 50 مبنى على الأقل ما تزال بحالة جيدة وتحتاج إلى عمليات ترميم غير معقدة، ولا يصل الأمر حد إعادة البناء.
تقدر القيمة المالية لهذه العقارات بمبالغ تتراوح بين 2-4 مليون دولار أمريكي في الحدود الدنيا، ويرتبط السعر بمساحة العقار وعدد طبقاته وموقعه في الحي، فما يقع ضمن الشارع الأساسي الذي يتواجد فيه عدد كبير من المكتبات ودور النشر يكون أكثر قيمة من المنازل المتواجدة في الأحياء الداخلية لـ الحي، لكن حسب المعلومات التي حصلت عليها " Syria one "، من عدة مكاتب عقارية تعمل في المنطقة، فلم يتم بيع أي منزل مهجور منذ عقود، مع الإشارة إلى وجود منازل مهجورة في مناطق أخرى من قلب العاصمة مثل "الشعلان – الطلياني"، وهي مناطق تجارية أيضاً وغالباً فإن السبب وراء هذا الإهمال يكون نتيجة سفر غالبية الورثة خارج البلاد، ولا يوجد قانون ملزم للمالك بـ عدم هجر منزله.
هناك مجموعة كبيرة من المنازل المهددة بالسقوط، وبعضها متضرر بشكل كبير، وهناك منزل واحد على الأقل في الحي لم يبقى منه إلا الجدران، وضمن أحد المباني القديمة في منطقة الحلبوني يقع مبنى "محافظة القنيطرة"، التي اتخذت من دمشق مقراً لها منذ حرب 1973، وكانت المنازل التي تقع في حي الحلبوني مقصداً للطلاب الوافدين إلى العاصمة في الفترة الممتدة من 1950 -1980 ليسكنوا فيها كونها قريبة من جامعة دمشق، ونتيجة لهذا القرب باتت المنطقة تعرف بكونها سوقاً للكتب والقرطاسية وما يلزم طلاب الجامعة.
حكاية الحي
تشير بعض المصادر إلى أن المنطقة التي أقيم فيها "حي الحلبوني"، كانت تعرف في الزمن المملوكي بـ "وادي الأعجام"، وفيه وجدت محلة الخلخال التي تعد من أجمل بقاع دمشق، وفيها قبور البرامكة، وقسم من "محلة المنيبع"، أو "عين المنيبع"، التي تعني بالسريانية "العين المتفجرة"، ويعزى ذلك لمرور نهر القنوات فيها، أو وجود عين ماء متدفقة هناك، وفي زاية منه منطقة كانت تعرف باسم "جنينة النعنع"، وما تزال تحمل الاسم ذاته حتى اليوم رغم عدم وجود حديقة أو "جنينة" حاليا.
وتحول أسم المنطقة في آواخر القرن التاسع عشر إلى "زقاق المنلا"، إلى أن اشترى المنطقة "حسن أفندي الحلبوني"، بشكل كامل وبنى فيها قصره الذي تحول حالياً إلى "مبنى الدراسات"، التابع لـ "جامعة دمشق"، إضافة إلى استمرار وجود مسجد "الحلبوني" المبني من العام 1933، وقد نسب الحي لـ "الحلبوني"، كشخص، وهناك رواية غير صحيحة تقول أن أول من بنى منازل في هذه المنطقة هم مجموعة أفراد يتحدرون من قرية "حلبون"، الواقعة بريف دمشق، وعند المعمرين من سكان الحي رواية طريفة تقول بأن "حسن أفندي الحلبوني"، كان قد عثر على "طميرة عصمنلية"، أي واحداً من الكنوز التي تركها العثمانيون مدفونة في الشام قبل انسحابهم منها.
ومن خلال الذهب الذي وجده في عدة صناديق صار من كبار أغنياء دمشق، ومن هذا المال اشترى "وادي الأعجام"، وحوله إلى منطقة سكنية حملت اسمه لاحقاً، ومن ثم باتت في قلب العاصمة.
من أشهر الشخصيات التي سكنت حي الحلبوني هو الشيخ "تاج الدين الحسيني"، الذي ما زال قصره قائماً في الحي، وتقول الحكايات حول هذا القصر إن الرئيس الأول لسوريا كان قد اشترى داراً في حي الحلبوني، هدمها وبدء بعملية إعادة بناءها، إلا أنه توقف بشكل مؤقت لقلة المال اللازم، فاستدان مبلغ 200 ليرة ذهبية من أحد تجار دمشق على أن يسددها أقساطاً من راتبه في رئاسة الجمهورية، وتوفي قبل أن يتم سداد الدين.






