في ظل الحملة الواسعة التي أطلقها مصرف سوريا المركزي مؤخراً، لتنظيم مهنة الصرافة وملاحقة قنوات الظل، والتي أثمرت عن توجيه 755 إنذاراً لمحال ومنشآت غير مرخصة لمزاولة أعمال الصرافة والحوالات في مختلف المحافظات، استفاق السوريون اليوم على صدمة، ارتفاع سعر صرف الدولار إلى 140 ليرة جديدة، وهنا يتساءل الشارع، هل سيدفع السوق ضريبة الإجراءات الحكومية الأخيرة؟ أم أن الارتفاع الحالي لا يتعدى ردة فعل غاضبة من السوق السوداء؟
وفي هذا السياق أكد الباحث والخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش لـ Syria One أن توجه المركزي يمثل تغييراً بنيوياً في فلسفة الإدارة النقدية، وخطوة جراحية لا غنى عنها لترتيب البيت المالي الداخلي، مشيراً في الوقت ذاته إلى الضوابط والتحديات التنفيذية التي تحكم نجاح هذه الخطوة على المدى الطويل.
عامل التوقيت
وفي رؤية تحليلية أوضح الدكتور عياش أن توقيت القرار يُقرأ من زاويتين:
الأولى هي الحتمية النقدية: حيث لم يكن التوقيت خياراً رفاهياً بل ضرورة إسعافية، إذ إن إطلاق مشاريع إصلاحية كبرى مثل "التدوير النقدي، هيكلة السيولة، والدفع الإلكتروني"، دون ضبط قطاع الظل كان سيؤدي إلى تسرب القوة النقدية خارج القنوات الرسمية وإفشال الإصلاحات، باعتبار أن هندسة المشهد المالي تبدأ أولاً بتنظيف الشرايين قبل ضخ الدماء الجديدة.
أما الزاوية الثانية فهي فجوة الجاهزية، حيث أن هناك حالة من التريث في الأسواق نتيجة اعتماد قطاع الأعمال لعقود على "مرونة وسرعة" القنوات غير النظامية، مما يستوجب فترة للتكيف مع الإجراءات الرسمية.
استعادة السيادة النقدية
وحول الهدف من الحملة أكد عياش أن الهدف الأساسي هو إعادة الحوكمة واستعادة السيادة النقدية. إذ إن إلزام الشركات بمتطلبات ملاءة مالية صارمة واحتياطيات لدى المركزي يعمل كـ "فلتر طبيعي" لتصفية السوق من الكيانات الوهمية والطفيلية، ونقل القطاع إلى نموذج "المؤسساتية الخاضعة للتدقيق القانوني" وفق المعايير الدولية.
معتبراً أن بتر قنوات الإمداد العشوائية، يحمي السوق من الشائعات والمضاربات النفسية، ويكبح التضخم، ويعطي المركزي مرونة أعلى لإدارة سياسة "التعويم الموجه" والمحافظة على استقرار الليرة بناءً على ميزان المدفوعات لا توقعات المضاربين.
أما حول تأثير القرار على تدفق الحوالات المالية واستقرارها، فقد بيّن عياش أن حصر التدفقات بالشركات المرخصة يضمن توجيه القطع الأجنبي مباشرة إلى الاحتياطيات الرسمية للدولة، مضيفاً أن المصرف المركزي يضمن استمرار تدفق الحوالات من خلال، تبني آليات تسعير مرنة توازن بين سعر السوق والأسعار الرسمية، مما يشجع المغتربين على اختيار القنوات النظامية، مع توفير مسار مالي آمن وسريع يضمن وصول الأموال بقيمتها العادلة، بعيداً عن مخاطر وضغوط السوق السوداء.
ضعف تغطية الأرياف
ووجه الدكتور فادي عياش إلى ضرورة تسليط الضوء على عقبة تنفيذية بارزة تتعلق بالانتشار الجغرافي، وهي التي تظهر جاهزية السوق، وإن كانت البدائل الرسمية كافية؟ حيث أن التغطية الجغرافية لشركات الصرافة ليست على سوية واحدة في امتداد الجغرافية السورية.
كون أن الشركات المرخصة وفروع المصارف، تتواجد بشكل رئيسي في مراكز المحافظات والمدن الصناعية الكبرى، فيما يعاني الريف والمناطق النائية من ضعف التغطية النظامية، حيث كانت الشبكات غير المرخصة تصل لجميع النقاط. ويتسبب إغلاقها حالياً في تحميل القاطنين في الأرياف تكاليف ووقت إضافي للوصول إلى مراكز المدن لاستلام حوالاتهم، وهو ما يتطلب حلولاً سريعة لتوسيع شبكة الانتشار الرسمي.
صدمة مؤقتة مقابل مكاسب استراتيجية
وبالمقابل اعتبر الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش أن للقرار انعكاساً هاماً على التجارة الخارجية والامتثال الدولي، باعتبار أن تنظيم الصرافة يفرض تمويل المستوردات وتعهدات التصدير عبر المصارف والشركات المرخصة حتمياً، مما يتيح للمركزي ترشيد استخدام القطع الأجنبي وحظر تمويل السلع الكمالية لصالح المواد الأساسية والطبية ومدخلات الإنتاج.
كما يُعد هذا الإجراء بطاقة عبور لكسر العزلة المالية، حيث يعزز التزام سورية بمعايير مكافحة غسل الأموال (FATF)، ويسهل فتح خطوط المراسلة المصرفية مع البنوك العالمية ونظام (SWIFT) عبر تقديم ضمانات الشفافية وأمن العمليات المالية.
واختتم عياش حديثه بالإشارة إلى أن القرار قد يفرز "صدمة سيولة مؤقتة" وجرعة بيروقراطية على المدى القريب، إلا أنه يحقق مكاسب استراتيجية هيكلية على المدى الطويل.
مشدداً على أن النجاح المكتمل لهذه القرارات مشروط بقدرة المصرف المركزي على إبداء مرونة ديناميكية مستمرة في أسعار الصرف الرسمية لتطابق واقع العرض والطلب الحقيقي، بالتوازي مع تبسيط الإجراءات المصرفية لضمان انسيابية الحركة التجارية والإنتاجية.






