في زاوية ورشة صغيرة وخلف طاولة القماش المرتب بعناية، يجلس العم "أبو مرهف"، الذي أمضى أكثر من 25 عاماً في مهنة الخياطة الرجالية بين المقصّات والدبابيس، يراقب مهنته وهي تنكمش كما تنكمش قطعة قماش تُقصّ أكثر مما يجب.
يبتسم الخياط السوري وهو يقول إن تَغَيّر الطلب على الخياطة لم يكن مفاجئاً، بل كان أشبه بانحدار بطيء بدأ منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، حين كانت الورشات السورية تعمل لدول الخليج وتشارك في المعارض، قبل أن تضعف الأسواق ويصبح العمل "على الطلب فقط"، مستعيداً خلال حديثه لـ Syria One تلك الأيام حين كانت البضائع تُخزّن في المستودعات بانتظار البيع، أما اليوم فالشغل بس وقت الطلب.. وإذا قرر المجازفة، فيكتفي بربع الكمية التي كان يشتغلها سابقاً
المعامل.. خصمٌ لا يُهزم
يتحدث أبو مرهف عن تأثير المعامل والورشات، مبيناً أن المعامل تنتج القطعة خلال خمس أو عشر دقائق، بينما يحتاج الخيّاط الفردي إلى ثلاثة أو أربعة أيام للقطعة الواحدة.
يقولها بوضوح: “لا يمكن للخياط الفردي المنافسة، فالتفصيل أغلى..والناس بدها قطعة جاهزة، نظيفة، وسعرها أوفر".
هكذا تحوّل الخيّاط من صانعٍ للموضة إلى شاهدٍ على انتقال الزبائن نحو الجاهز، ثم نحو الأونلاين.
الأونلاين.. إغراء الصورة وخيبة القياس
عند الحديث عن الشراء عبر الإنترنت، يضحك أبو مرهف ضحكة يعرفها كل من يعمل في المهنة ويقول: "ما في زبون اشترى أونلاين إلا رجع لعندي عدّل عليه".
مبيناً أن التسوّق الرقمي سهّل موضوع الخصول على القجعة اللي يتمناها، لكنه لم يقدّم المصداقية المطلوبة، فالموديل على الشاشة شيء، والقطعة التي تصل شيء آخر في كثير من الأحيان: قياس مختلف، لون مختلف، وقماش لا يشبه الصورة.
وهكذا، صار الخيّاط آخر خط دفاع قبل أن تُرمى القطعة في الخزانة.
المهنة لا تنقرض
وحول احتمال اختفاء مهنة الخياطة الرجالية بسبب تكاليفها يجيب أبو مرهف بثقة: “الخياطة مستحيل تنقرض.. بس بتخف"، فالجيل القديم ما زال وفيّاً لـ"خياط الحارة"، لكن هذه الطبقة تتضاءل.
أما عن ارتفاع أسعار الأقمشة والخيوط والصيانة، فهو يؤكد أنها ما يدفعه لرفع الأسعار على الزبائن حتى لا يخسر، موضحاً أن أعمال التقصير والتضييق والتعديل تبقى جزءاً لا يمكن أن يختفي من حياة الناس.
هل يعود الخياط الرجالي؟
عند الحديث عن مستقبل الخياطة الرجالية، يشرح أبو مرهف أن هذه المهنة وُجدت أساساً لطبقة تحب التفصيل وتبحث عن قطعة "ما بتشبه حدا".
هذه الطبقة اليوم تُشبه نخبة صغيرة، وإذا اختفت قد تختفي معها المهنة.
مؤكداً وجود ما يُسمى بـ "سوق الجوخ" في الحريقة، حيث ما يزال نحو عشرين محلًا يعملون بالطريقة القديمة: بيع الأقمشة، ثم إرسالها إلى خياطين يتولّون التفصيل.
“هالحكي قديم.. ولساته لهلأ”، يقولها وكأنه يتمسّك بخيط أخير من الماضي.
عن الجيل الجديد
يبين أبو مرهف أن تعلم الخياطة، مازال قائماً حيث يقول: "بالعكس.. في ناس بدها تتعلم.. بس مو مثل زمان".
لم يعد الشاب يجلس في ورشة الخياط ليتعلم بالممارسة من رب العمل، بل ظهرت معاهد ومراكز تدريب، ومدرّسون يقدّمون دورات للراغبين.
التعلم تغيّر لكنه لم يتوقف.. كما يؤكد.
الخياطة ليست مهنة تختفي، بل مهنة تتبدّل.
تتراجع، نعم.. لكنها تبقى موجودة في التفاصيل الصغيرة: زرّ يُخاط، بنطال يُقصّر، فستان يُعدّل، وقطعة خاصة تُفصّل لشخص يريد أن يكون مختلفاً.
في ورشة أبو مرهف، لا تزال الإبرة تتحرك.. ببطء ربما، لكنها تتحرك... وكأنها تقول: المهنة لا تموت… بل تغيّر شكلها فقط.






