تمر اليوم، الـ30 من مارس/ آذار، ذكرى رحيل الفنان العربي الكبير عبد الحليم حافظ الذي أضحى ظاهرة عابرة للأجيال في تاريخ الغناء العربي.
عبد الحليم العندليب موهبة مصرية استثنائية متمردة على القوالب الكلاسيكية، وذكاء لافت في توظيف المتغيرات السياسية والاجتماعية لصالح مشروعه الغنائي ولا سيما في حقبتي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.
ورغم حياته القصيرة في الفترة من 1929 حتى 1977، قدم "العندليب الأسمر" أكثر من 240 عملًا وباع أكثر من 80 مليون أسطوانة غنائية، ضمن مسيرة فريدة تميزت بالصوت الشجي ورنة الحزن العميق التي تحوّلت إلى "ملاذ عاطفي آمن" لملايين العشاق في العالم العربي.
عبد الحليم وعباقرة الموسيقى
تعاون عبد الحليم حافظ مع عباقرة الموسيقى مثل كمال الطويل وبليغ حمدي ومحمد الموجي، الذين صاغوا له ألحانًا تجمع بين الأصالة الشرقية والحداثة الغربية، مثل: توظيف الجيتار الكهربائي والأورج لأول مرة.
لعبت حياة عبد الحليم الخاصة دورًا محوريًّا في صنع أسطورته، من خلال اليتم في الصغر، ثم الصراع المرير والطويل مع مرض "البلهارسيا" ونزيف المعدة المتكرر؛ ما أضفى على شخصيته هالة "البطل التراجيدي" الذي يغني رغم الألم، ويصارع الموت من أجل الفن.
أدرك عبد الحليم مبكرا قوة السينما، فاستغل وسامته الهادئة وحضوره الطاغي ليقدم شخصية "الشاب الرومانسي الحالم" الذي يمثل فتى أحلام الفتيات ونموذج الشاب العصري للرجال.
نشأة العندليب عبد الحليم حافظ
اسمه الحقيقة عبد الحليم علي إسماعيل شبانة وولد في 21 يونيو 1929، وترجع أصوله إلى قرية الحلوات بمحافظة الشرقية، ولم يهنأ بوجود والدته، إذ توفيت بعد ولادته مباشرة، ثم لحق بها والده قبل أن يكمل عامه الأول.
المعهد العالي للموسيقى العربية
ومع بدايات شبابه، اتجه إلى القاهرة، حيث التحق بالمعهد العالي للموسيقى العربية، ودرس بقسم التلحين حتى تخرج عام 1948، لتبدأ بعدها ملامح رحلته الفنية في التشكل، بدأ حياته العملية مدرسا للموسيقى لمدة أربع سنوات، تنقل خلالها بين طنطا والزقازيق والقاهرة، قبل أن يقدم استقالته عام 1949، ليلتحق بفرقة موسيقى الإذاعة عازفا على آلة الأوبوا.
البداية الغنائية للعندليب عبد الحليم حافظ
جاءت بدايته الغنائية مصادفة، حين اضطر إلى الغناء بدلا من المطرب عبد الغني السيد في إحدى الفقرات بسبب غيابه، فلفت الأنظار إلى صوته، ليجتاز بعدها رسميا في الإذاعة عام 1951، وشكلت تلك اللحظة نقطة التحول في مسيرته، إذ استمع إليه حافظ عبد الوهاب، مدير البرامج الإذاعية، فأعجب بموهبته ومنحه اسم حافظ بدلا من شبانة، كما عرفه بالملحن محمد الموجي، لتبدأ أولى خطواته الحقيقية في عالم الغناء.
وكانت الانطلاقة الحقيقية من خلال قصيدة لقاء للشاعر صلاح عبد الصبور وألحان كمال الطويل، والتي قدمها عبر الإذاعة عام 1951، لتكون البداية الفعلية لظهوره الفني. ثم واصل خطواته بأغنية "يا حلو يا أسمر" من كلمات سمير محجوب وألحان محمد الموجي، كما قدم أغنية "صافيني مرة" في أغسطس 1952، لكنها لم تلق قبولا في البداية بسبب اختلاف أسلوبها عن الذوق السائد آنذاك.
وفي عام 1953، أعيد تقديم "صافيني مرة" تزامنا مع إعلان الجمهورية، فحققت نجاحا كبيرا، وفي العام نفسه تم تقديمه في حفلات "أضواء المدينة" احتفالا بمرور عام على ثورة يوليو 1952، لتكون هذه المرحلة نقطة انطلاق قوية نحو شهرته.
وفاة العندليب عبد الحليم حافظ
رحل عن عالمنا عبد الحليم حافظ في 30 مارس 1977، بمستشفى كينجز كوليدج في لندن، بعد معاناة طويلة مع المرض، عن عمر لم يتجاوز 47 عاما، لتشكل وفاته صدمة كبيرة في الوطن العربي، بعدما فقدت الساحة الفنية صوتا استثنائيا لا يزال صداه حاضرا حتى اليوم.
رحل العندليب الأسمر، لكن صوته الجميل بقي عالقا بين تفاصيل الأيام وعلى جدران البيوت الحالمة، يرافق الحنين، ويعانق الذكريات.






