في ضوء التصريحات المتزامنة الصادرة عن مصادر كردية وإقليمية وأميركية، يبدو أن الشمال الشرقي من سوريا يقف عند مفترق طرق حاسم، تتداخل فيه الحسابات المحلية مع توازنات إقليمية ودولية، وسط محاولات لتفادي انفجار عسكري واسع قد يعيد خلط الأوراق في كامل المشهد السوري.
مخرجات اللقاء الذي جمع مسعود بارزاني مع المبعوث الأميركي برّاك تعكس بوضوح توجهاً أميركياً لإعادة تثبيت مسار الحوار والنهج السلمي كخيار مفضل لمعالجة تعقيدات الملف السوري، ولا سيما في المناطق ذات الغالبية الكردية.
التشديد على “ضمان حقوق الشعب الكردي ضمن أي ترتيبات مستقبلية” لا يمكن فصله عن قناعة أميركية متزايدة بأن أي حل سياسي قابل للحياة في سوريا لا بد أن يتضمن شراكة حقيقية مع القوى الكردية، وفي مقدمتها “قسد”، باعتبارها لاعباً أمنياً وسياسياً لا يمكن تجاوزه في الشمال الشرقي.
في المقابل، تحمل تصريحات السيناتور الأميركي ليندسي غراهام نبرة تحذير شديدة اللهجة تجاه الحكومة السورية الجديدة. التهديد بإعادة تفعيل عقوبات “قانون قيصر” وجعلها “أكثر قسوة” في حال اللجوء إلى الخيار العسكري ضد الكرد وقوات سوريا الديمقراطية، يكشف أن واشنطن ما تزال تحتفظ بأدوات ضغط قوية، وأنها مستعدة لاستخدامها إذا شعرت بأن التفاهمات الهشة مهددة.
كما أن حديث غراهام عن “عدم استقرار هائل” في حال التصعيد العسكري يشير إلى إدراك أميركي بأن أي مواجهة في الشمال الشرقي لن تبقى محصورة جغرافياً، بل قد تمتد تداعياتها إلى العراق وتركيا، وربما تعيد تنشيط خلايا تنظيم داعش.
أما تصريحات قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، فتضع البعد العسكري والأمني في صلب الصورة. فدعوته القوات الحكومية السورية إلى وقف أي أعمال هجومية بين حلب والطبقة توحي بوجود مخاوف حقيقية من انزلاق الوضع إلى صدام مباشر.
وفي الوقت نفسه، يربط كوبر بين استمرار الضغط على تنظيم داعش وبين “العمل الجماعي بين الشركاء السوريين وبالتنسيق مع الولايات المتحدة وقوات التحالف”، في رسالة واضحة مفادها أن أي صراع داخلي سيقوض الجهود المشتركة ضد التنظيم، ويمنحه فرصة لإعادة التموضع، انطلاقاً من هذه المعطيات، يمكن القول إن الاتجاه العام للأمور في الشمال الشرقي يتسم بحالة ردع متبادل أكثر منه توجهاً نحو الحسم.
الولايات المتحدة تحاول الإمساك بالعصا من المنتصف بين منع التصعيد العسكري، حماية شركائها الكرد، والحفاظ على أولوية محاربة داعش، من دون الانخراط المباشر في مواجهة شاملة مع دمشق.
في المقابل، تبدو الحكومة السورية أمام خيارات محدودة، إذ إن أي مغامرة عسكرية قد تستجلب عقوبات أقسى وعزلة أعمق.
الشمال الشرقي السوري مرشح في المدى القريب لاستمرار حالة “اللا حرب واللا سلم”، مع تصاعد الجهود الدبلوماسية والضغوط الدولية لدفع الأطراف نحو تسويات مرحلية، غير أن هشاشة التوازنات تبقى قائمة، ما يجعل المنطقة عرضة للاهتزاز عند أي خطأ في الحسابات أو تبدل في المواقف الدولية، خاصة الأميركية.






