أظهرت قاعدة بيانات "نيمبيو" العالمية، المعنية بمؤشرات المعيشة، أن متوسط صافي الدخل الشهري في سوريا لعام 2026 يتراوح بين 80 و100 دولار، ليحتل المرتبة الأخيرة عربياً، وتكشف هذه البيانات عن أزمة معيشية حادة تعاني منها الأسر السورية، حيث تتفاقم الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة.
وجاء في التقرير: "حلت سوريا في المرتبة 15 والأخيرة عربياً لعام 2026، بمتوسط دخل شهري صافٍ يتراوح بين 80 و100 دولار أمريكي بعد الضرائب، وتستند هذه التقديرات إلى مدخلات المستخدمين ومصادر أخرى جُمعت خلال آخر 12 شهراً، مع وجود فروق فعلية تبعاً للتخصص وسنوات الخبرة، ويقل متوسط الراتب في سوريا بنحو 7 أضعاف عن لبنان، و8 أضعاف عن الأردن، في حين تتسع الفجوة بشكل كبير مقارنة بدولة قطر التي تتصدر القائمة بمتوسط دخل بلغ 4,094 دولاراً".
وفي قراءة اقتصادية، ولمعرفة كيفية سد العجز ومصادر الدخل البديلة، يقول الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماه لـ Syria One: "اقتصادياً، لا يمكن سد هذا العجز من خلال الأجور وحدها، بل تعتمد الأسر السورية على مزيج من آليات البقاء".
وأوضح أن آليات البقاء، تتمثل بما يلي:
ـ تحويلات المغتربين: تشكل الأموال المرسلة من السوريين في الخارج أحد أهم مصادر الدخل النقدي للأسر، وهي بمثابة شبكة أمان خارجية.
ـ العمالة المتعددة والعمل غير النظامي: يعمل أفراد الأسرة في أكثر من وظيفة، أو ينخرطون في الاقتصاد غير النظامي (تجارة متنقلة، وأعمال حرة، ونقل)، لتجنب الضرائب وزيادة الدخل الإجمالي.
ـ المساعدات الإنسانية والمنظمات: تعتمد شرائح واسعة على المساعدات الغذائية والنقدية من وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية.
ـ الاستهلاك المُقتصد والاستدانة: خفض الإنفاق إلى الحد الأدنى (الغذاء الأساسي فقط)، مع الاستدانة من الشبكات الاجتماعية (الأقارب) أو بيع الأصول (ذهب، أثاث) لتغطية العجز.
ـ الدعم الذاتي: الزراعة المنزلية أو تربية الحيوانات على نطاق صغير لتقليل الإنفاق على الغذاء.
وعن أسباب اتساع الفجوة مقارنةً بدول الجوار، والخطوات الإسعافية، يقول محمد: "من أبرز الأسباب، انهيار قيمة العملة والتضخم المزمن حيث فقدت الليرة السورية قيمتها بشكل كارثي، مما حوّل الأجور الاسمية إلى قيم حقيقية ضئيلة، بينما لم ترتفع الأجور بنفس الوتيرة، أما السبب الثاني هو الاقتصاد الريعي والمُستورد، فالاعتماد على الاستيراد لتأمين السلع الأساسية يجعل الأسعار مرتبطة بسعر الصرف، دون وجود قاعدة إنتاجية محلية تحمي القدرة الشرائية، وهناك سبب ثالت يتمثل بتآكل القطاع العام، إذ كانت الحكومة المشغّل الأكبر، لكن رواتبها لم تعد تُموَّل من موارد إنتاجية حقيقية، بل من طباعة النقود تاريخياً، مما أدى إلى تضخم جامح، علاوة على العقوبات والانكماش، حيث أضعفت العقوبات القدرة التصديرية وجذبت الاستثمار، مما حدّ من خلق فرص عمل ذات قيمة مضافة.
والخطوة الإسعافية الأكثر إلحاحاً، بحسب رأي الأكاديمي الاقتصادي، تتمثل بـ "ربط الأجور بمؤشر تكاليف المعيشة مع تمويل غير تضخمي"، مضيفاً: "بمعنى: لا يكفي رفع الأجور اسمياً (لأن التضخم سيبتلعها فوراً)، بل يجب: أولاً، تثبيت سعر الصرف أو إدارة مرنة لكبح تضخم أسعار الغذاء المستورد، وثانيا، تمويل الزيادات من إيرادات حقيقية (ضرائب تصاعدية على التجارة الخارجية، إيرادات النفط/الفوسفات، خفض الهدر في المؤسسات العامة) وليس من طباعة النقود، وثالثاً، توسيع برامج التحويلات النقدية المشروطة للفئات الأشد فقراً كإجراء انتقالي، بدلًا من دعم عام غير موجّه".
وختم الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماه، كلامه بالقول: "إن الأرقام التي أوردتها (نومبيو) ليست مجرد إحصاء، بل مؤشر على انهيار وظيفة الأجر كأداة لتأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة.. الفجوة بين سوريا ولبنان والأردن ليست وليدة اليوم، بل نتيجة تراكم سنوات من الاقتصاد الريعي، والعقوبات، وسياسات نقدية غير مسؤولة، وأي حل جذري يتجاوز الإجراءات الإسعافية يتطلب إعادة هيكلة الاقتصاد نحو الإنتاج، وربط الأجور بالإنتاجية، وإصلاح مؤسسي عميق (وهو مسار طويل لا تحتمله معيشة الأسر في المدى القصير)، الإجراء الإسعافي الأقل كلفة والأعلى أثراً هو حماية القدرة الشرائية عبر استقرار الأسعار أولاً، ثم رفع الأجور من موارد حقيقية، لا من طباعة النقود".






