فن

شوقي الماجري.. من "إخوة التراب" إلى "أسمهان" و"الاجتياح"..  كيف ترك المخرج التونسي بصمة تجاوزت حدود الجغرافيا؟

48
شوقي الماجري.. من "إخوة التراب" إلى "أسمهان" و"الاجتياح"..  كيف ترك المخرج التونسي بصمة تجاوزت حدود الجغرافيا؟عامر فؤاد عامر

رحل المخرج التونسي شوقي الماجري في القاهرة الموافق العاشر من تشرين الأوّل/أكتوبر 2019، إثر أزمة قلبيّة، تاركاً وراءه تجربة إخراجيّة يصعب اختزالها في قائمة من المسلسلات الناجحة وكفى. فالرجل الذي جاء من تونس، وتكوّن سينمائيّاً في بولندا، وجد في الدراما السوريّة فضاءً واسعاً لاختبار أدواته، وصناعة عالم بصري خاصّ، قبل أن تتجاوز أعماله حدود سوريا لتصبح جزءاً من ذاكرة الدراما العربيّة بجدارة.


لم يكن الماجري مخرجاً يتقن تنفيذ النصوص وحسب، بل صاحب رؤية حاولت تحرير الصورة التلفزيونيّة من وظيفتها التوضيحيّة، ومنحها قدرة على السرد والتعبير وصناعة المعنى. وبين التاريخ والسياسة والسير الذاتيّة والمآسي الإنسانيّة، ظلّ يبحث عن الصورة التي تقول أكثر مما يقوله الحوار.


من تونس إلى سوريا.. فرصة مهّدت للمشروع


وُلد شوقي الماجري في تونس العاصمة العام 1961، ودرس الإخراج السينمائي في المدرسة الوطنيّة العليا للسينما والمسرح والتلفزيون في مدينة وودج البولنديّة، حيث تخرّج العام 1994. وقد أسهم هذا التكوين في صقل اهتمامه بالتكوين البصري والجوانب التقنيّة والجماليّة للصورة، وهي عناصر ستصبح لاحقاً من أبرز سمات تجربته التلفزيونيّة.


لكن امتلاك الأدوات لا يعني بالضرورة العثور على البيئة القادرة على استيعابها. وبعد عودته إلى تونس، واجه صعوبات في تحقيق طموحه السينمائي، قبل مجيء الفرصة من سوريا، حيث بدأت علاقته بالدراما التلفزيونيّة تتخذ منحىً مختلفاً.


شكّل مسلسل «تاج من شوك» إحدى محطّات بداياته، ثمّ جاءت تجربة «إخوة التراب 2» عام 1998، لتفتح أمامه أبواباً جديدة في الدراما السوريّة.


بدت سوريا بالنسبة إليه مكاناً للعمل، ومساحة إنتاجيّة وفنّيّة أتاحت له التعامل مع نصوص تاريخيّة ومعاصرة، والاستفادة من خبرات ممثّلين وكتّاب وفنّيين، ضمن صناعة دراميّة كانت تمتلك تقاليد راسخة، وتبحث في الوقت نفسه عن أشكال جديدة للتعبير.


لم يحتج الماجري التخلّي عن خصوصيّته التونسيّة كي يصبح جزءً من الدراما السوريّة، ولم تكن هويّته الوطنيّة عائقاً أمام انتمائه الفنّي إليها. لقد أثبت أن المخرج يستطيع الانتماء إلى بيئة العمل من خلال فهمه لثقافتها، والإضافة إليها في الوقت نفسه ما يحمله من خبرات ورؤية مختلفتين.


الصورة ليست زينة.. بل طريقة في التفكير


إذا كان لا بدّ من البحث عن العنصر الذي منح أعمال شوقي الماجري خصوصيّتها، فإن الصورة تأتي في مقدّمة الإجابات.


لم يتعامل مع الكاميرا بوصفها أداة لتسجيل أداء الممثلين أو توثيق الحدث، بل بوصفها عنصراً أساسيّاً في بناء الدلالة الدراميّة. فالتكوين، وحركة الكاميرا، والإضاءة، والظلال، واختيار زوايا التصوير، كانت إضافات جماليّة، ووسائل للمشاركة في رواية الحكاية معاً.


يمكن للمكان في أعماله الامتداد للحالة النفسيّة، وللظلال منح الشخصيّات إحساساً بالحصار، وللمسافة بين الكاميرا والممثّل عكس العزلة أو الخوف أو اختلال العلاقة بين الفرد والسلّطة.


هذه الحساسيّة البصريّة لم تكن منفصلة عن اهتمامه بالمضمون. فالصورة لديه لا تكتسب قيمتها لأنها جميلة فحسب، بل لأنها قادرة على حمل معنى، وتوسيع أفق النص، ومنح المشهد طبقة إضافيّة من التعبير.


وقد ساعده تكوينه السينمائي على التعامل مع التلفزيون باعتباره مجالاً يسمح ببناء عوالم متكاملة، لا وسيلة لإنجاز حلقات متتابعة فقط. لذلك بدت بعض أعماله أقرب إلى أفلام طويلة موزّعة على حلقات، مع عناية واضحة بإيقاع المشاهد وبناء المناخ العامّ.


«الاجتياح».. دراما تجاوزت حدود الحكاية


أخرج الماجري في العام 2007 مسلسل «الاجتياح»، الذي تناول الاجتياح الإسرائيلي للضفة الغربيّة وما ارتبط به من عنف ودمار، مستحضراً تجربة الفلسطينيين في مواجهة الاحتلال.


جاء العمل استعادة لحدث سياسي، ومحاولة للاقتراب من الإنسان الذي يعيش داخل الحدث، ومن تفاصيل الحياة التي تستمر تحت وطأة الخوف والفقد والحصار.


وتبرز أهمّيّة "الاجتياح" في الجمع بين الموضوع السياسي والاشتغال الدرامي والبصري؛ إذ لم تُقدَّم المأساة بوصفها مجموعة من الشعارات، وإنما من خلال مصائر الشخصيّات وعلاقاتها، في سياق يفرض على المشاهد مواجهة الإنسانيّة للعنف.


وقد توّج المسلسل بجائزة إيمي الدوليّة، ليصبح من أبرز المحطّات في مسيرة الماجري، وليؤكّد أن الدراما العربيّة قادرة على الوصول إلى منصّات التقدير العالميّة حين يتوافر لها المشروع الفنّي والإنتاجي المناسب.


كانت الجائزة اعترافاً بعمل محدد، لكنّها حملت أيضاً دلالة أوسع، حيث أن الحكاية المحلّيّة تستطيع عبور الحدود عندما تُصاغ بلغة فنّيّة تمتلك خصوصيّتها، وتخاطب في الوقت نفسه التجربة الإنسانيّة المشتركة.


"أسمهان".. سيرة فنّانة بلغة الصورة


أظهر مسلسل "أسمهان" العام 2008 جانباً آخر من موهبة الماجري؛ كيفيّة التعامل مع السيرة الفنّيّة بوصفها مادّة دراميّة تتجاوز ترتيب الوقائع واستعراض المحطّات الشخصيّة.


حياة أسمهان صعبة الاختزال؛ فهي فنّانة محاطة بالأسئلة والتناقضات، تنقّلت بين عوالم اجتماعيّة وفنّيّة ووطنيّة وسياسيّة متشابكة، وارتبطت حياتها القصيرة بحضور استثنائي في الموسيقى والغناء والسينما.


ومن هنا، لم تكن مهمّة الماجري نقل سيرة فنّانة إلى الشاشة فقط، بل بناء عالم يعبّر عن اضطرابها الداخلي، وعن التوتر بين موهبتها وحياتها الخاصّة، وبين رغبتها في الانطلاق والقيود التي أحاطت بها.


وقد أسهمت الرؤية البصرية في منح المسلسل هويّته، كما ساعد أداء سلاف فواخرجي في تجسيد الشخصيّة الرئيسة على استقطاب الاهتمام بالعمل أكثر.


حقق "أسمهان" حضوراً واسعاً، وحصد الماجري عنه جائزة أدونيا السوريّة العام 2008. والأهمّ أن المسلسل أظهر كيف يمكن للسيرة الذاتيّة أن تتطوّع إلى دراما حقيقيّة، لا إلى سجل للأحداث.


البحث عن الإنسان وسط العاصفة


اتجه الماجري في "هدوء نسبي" العام 2009، إلى عالم الصحافة والحرب، مقدّماً شخصيّات تعمل وسط الفوضى، وتحاول التمسّك بمهنتها وإنسانيّتها في بيئة يختلط فيها الخوف بالمسؤوليّة، وتصبح فيها الحقيقة نفسها موضع صراع.


كان الموضوع مناسباً لمخرج يهتمّ بالعلاقة بين الفرد والحدث الكبير، وبكيفيّة انعكاس السياسة على حياة الناس العاديين. كما مثّل المسلسل امتداداً لاهتمامه بالمناطق الرماديّة، حيث لا تكفي المواقف المعلنة لفهم الشخصيّات، ولا تنفصل القرارات الفرديّة عن الضغوط المحيطة بها.


انتقل الماجري إلى السينما في العام 2012، عبر فيلم "مملكة النمل"، الذي تناول القضيّة الفلسطينيّة من زاوية إنسانيّة ورمزيّة، متّخذاً من الحياة تحت الأرض والاستمرار في المقاومة مدخلاً للتعبير عن تجربة شعب يعيش تحت الاحتلال.


تكمن أهمّيّة الفيلم في أنه كشف عن طموح سينمائي لم تستوعبه مسيرته التلفزيونيّة بالكامل. فالعالم الذي بناه في الفيلم لا يعتمد على تسجيل الوقائع وحدها، بل على توظيف المكان والرمز والصورة في التعبير عن الذاكرة والخوف والتشبث بالحياة.


ومع أن حصيلته السينمائيّة ظلّت محدودة مقارنة بإنتاجه التلفزيوني، فإن "مملكة النمل" يكشف عن مشروع كان يريد الذهاب أبعد من إنجاز مسلسل ناجح كلّ عام، واختبار قدرته على بناء لغة سينمائيّة مستقلّة.


مخرج عربي لا تحكمه الحدود


لم يتوقف نشاط الماجري عند الدراما السوريّة. فقد أخرج "أبناء الرشيد: الأمين والمأمون" العام 2006، و"أبو جعفر المنصور" و"أسمهان" العام 2008، ثمّ "توق" العام 2011، و"نابليون والمحروسة" العام 2012، وصولاً إلى "حلاوة الروح" العام 2014.


وفي السنوات الأخيرة من مسيرته، واصل العمل في الدراما العربيّة، ومن أعماله "سقوط حر" العام 2016، و"دقيقة صمت" العام 2019، الذي شكّل آخر أعماله التلفزيونيّة المعروفة.


تكشف هذه الأعمال عن مخرج لم يحصر نفسه في نوع درامي واحد. انتقل بين التاريخ والسيرة الذاتيّة والسياسة والواقع الاجتماعي، وظلّ اهتمامه منصبّاً على الشخصياّت التي تتحرك تحت ضغط ظروف أكبر منها، وعلى العوالم التي تتشابك فيها السلّطة والذاكرة والمصالح والمصائر الشخصيّة.


ولعل هذه القدرة على التنقل بين البيئات والموضوعات هي ما جعل تجربته تتجاوز التصنيف الوطني الضيق. فقد عمل في سوريا ومصر وغيرها من البيئات الإنتاجية العربية، لكنه لم يذب تماماً في تقاليد أي صناعة منها؛ بل حمل معه حساسيته البصرية، وأعاد اختبارها وفق طبيعة كل مشروع.


ماذا بقي من شوقي الماجري؟


رحيل شوقي الماجري في العاشر من تشرين الأوّل/أكتوبر 2019 أنهى مسيرة مخرج حقق عدداً من النجاحات، لكنّه ترك سؤالاً مفتوحاً عن مصير الرؤية الإخراجيّة في صناعة تلفزيونيّة كثيراً ما تحكمها سرعة الإنتاج، وشروط السوق، وضغوط المواسم الرمضانيّة.


لقد أثبتت تجربته أن المخرج ليس منفّذاً للنص، وأن قيمة العمل لا تتحدد بالحكاية وحدها، بل بالطريقة التي تُروى بها عبر الصورة. كما أكدت أن التميز البصري لا ينبغي أن يكون ترفاً، وإنما جزءاً من التفكير الدرامي نفسه.


كان شوقي الماجري تونسيّاً في مولده، بولنديّاً في جانب من تكوينه السينمائي، وسوريّاً في مساحة أساسيّة من تجربته الإبداعيّة، وعربيّاً في أثره الأوسع. وهذه ليست هويّات متنافسة، بل طبقات متداخلة في تجربة مخرج وجد أن الصورة تستطيع عبور الحدود التي تعجز السياسة والجغرافيا أحياناً عن تجاوزها.


مقالات ذات صلة

مثّلها مدير ثقافة الحسكة ومخرج النص.. "الذي لا يأتي".. صراع الإنسان مع الاغتراب وفقدان الأمل

مثّلها مدير ثقافة الحسكة ومخرج النص.. "الذي لا يأتي".. صراع الإنسان مع الاغتراب وفقدان الأمل

قدّمت فرقة "جيان" المسرحية، بدعوة من مديرية الثقافة في الحسكة، عرضها المسرحي "الذي لا يأتي" على خشبة مسرح المركز الثقافي العربي في الحسكة، في تجربة مسرحية تطرح أسئلة الإنسان عن مصيره واغترابه الروحي وعلاقته
17
الإذاعة والتلفزيون السعودية تطلق أول نسخة عربية من The 1% Club

الإذاعة والتلفزيون السعودية تطلق أول نسخة عربية من The 1% Club

أعلنت هيئة الإذاعة والتلفزيون السعودية حصولها على حقوق إنتاج النسخة العربية من برنامج المسابقات العالمي The 1% Club من "بي بي سي ستوديوز"، استعدادًا لإطلاقه عبر قناة SBC تحت اسم تحدّي 1%، مع
35
حسين فهمي يتحدث عن بوستر الدورة 47 من مهرجان القاهرة السينمائي.. مولدة بالذكاء الاصطناعي

حسين فهمي يتحدث عن بوستر الدورة 47 من مهرجان القاهرة السينمائي.. مولدة بالذكاء الاصطناعي

كشف الفنان المصري حسين فهمي كواليس أزمة بوستر الدورة 47 من مهرجان القاهرة السينمائي للفنانة شادية بعدما تبين أنها مولدة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، ما أثار جدلا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
61
مهرجان الجونة في مصر يحيي الذكرى العاشرة لرحيل المخرج محمد خان

مهرجان الجونة في مصر يحيي الذكرى العاشرة لرحيل المخرج محمد خان

يحيي مهرجان الجونة في مصر هذا العام الذكرى العاشرة لرحيل المخرج محمد خان (1942-2016) بعرض اثنين من أفلامه هما "موعد على العشاء" إنتاج عام 1981 و"الحريف" ⁠إنتاج عام ​1983
71
باب الحارة مسلسلات عربية

لماذا لا تعيش معظم المسلسلات العربيّة أكثر من موسم واحد؟ من "باب الحارة" إلى "الهيبة" و"المداح"؟ هل نفتقر إلى الشخصيّات القادرة على البقاء؟

ثمّة مفارقة تستحق التأمّل في صناعة الدراما العربيّة؛ حيث أننا نشتكي من تكرار الحكايات، ثمّ نتساءل لماذا لا تعيش معظم المسلسلات أكثر من موسمٍ واحدٍ؛ وفي مكانٍ آخر نطالب بالتجديد، لكننا نعود ونتمسّك بالشخصيّات التي ألفناها مجدداً؛ وننتقد إطالة الأعمال الناجحة، ثمّ نعامل انتهاء مسلسل مميّز كما لو أنه خسارة لا ينبغي لها أن تحدث!
228
سيرياون إعلان 7