في آخر أيام شباط الذي لا يحكم أجواءه رباط، بدت فيها السماء فوق الخليج العربي مكتظّة بالطائرات العسكرية، والأرض ترتجف تحت إيران وإسرائيل تهتز على وقع صافرات الإنذار، انكشفت المنطقة مجددًا أمام سؤالها التاريخي هل نحن أمام جولة محدودة من الردع المتبادل بين إيران وإسرائيل مع المشاركة الأمريكية؟ أم بداية إعادة رسم خرائط القوة في الشرق الأوسط وربما ما بعده؟
أما التحليق العسكري الكثيف فوق الخليج، فرسائله تتجاوز المعركة إلى حماية خطوط الملاحة، وردع أي محاولة لإغلاق أو تهديد المضائق الحيوية، فالخليج ليس مجرد مسرح عمليات، بل شريان طاقة عالمي، وأي اضطراب فيه ينعكس فورا على الأسواق الدولية، وهو ما يمنح الصراع بعداً اقتصادياً عالمياً يتجاوز أطرافه المباشرين.
النظام الإيراني فوجئ بحسب هيئة البث الإسرائيلية، بالهجوم الذي شُن صباح اليوم على إيران، في خطوة غير معتادة، إذ جاءت الضربات خلال النهار وليس في الليل كما جرت العادة في العمليات العسكرية السابقة.
ماذا يقول الخبراء العسكريون؟
انفجارات طهران صباح السبت لم تكن مجرد دويّ عابر في سماء الشرق الأوسط، بل إعلانا صارخاً عن انتقال المواجهة إلى مستوى جديد، ضربات في وضح النهار، استهدافات دقيقة، مشهد يفتح الباب على تحولات قد تعيد رسم موازين الردع في المنطقة بأكملها.
شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً مشتركاً واسعاً على إيران، حيث دوّت انفجارات في العاصمة طهران وعدد من المدن الكبرى بينها قم وأصفهان وكرمانشاه وكرج، وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدء "عمليات قتالية واسعة النطاق"، فيما وصفت وزارة الدفاع الإسرائيلية الهجوم بأنه "استباقي".
التوصيفان "واسع النطاق" و"استباقي" يحملان دلالتين استراتيجيتين الأولى تشير إلى حجم العملية وتنسيقها، والثانية تمنحها غطاءً ردعيا يهدف إلى تبريرها كخطوة لمنع تهديد أكبر.
بحسب القراءة العسكرية التي طرحها خبراء عسكريون تواصلت Syria One معهم فإن المفاجأة لم تكن على المستوى الجيوسياسي، فالحشد العسكري والتوتر المتصاعد جعلا احتمالية الضربة واردة، غير أن المفاجأة تمثلت في التوقيت والنمط العملياتي، ضربات في وضح النهار، واستهدافات لم تركز على الدفاعات الجوية كما جرت العادة، بل طالت المنظومة العسكرية الإيرانية و"شخصيات كبيرة" يجري التحقق من مصيرها.
هذا التحول في بنك الأهداف يعكس محاولة واضحة لتقليص جاهزية النظام العسكري والأمني الإيراني بضربة مركزة، بدل الاكتفاء بشل الدفاعات تمهيدًا لحملة طويلة" إنها مقاربة أقرب إلى "الصدمة الاستراتيجية" منها إلى الاستنزاف التدريجي.
حتى اختيار يوم السبت، وفق قراءات المحللين الاستراتيجيين، يحمل بُعدا تكتيكياً داخليا في إسرائيل، إذ يتزامن مع انخفاض النشاط المدني، ما يمنح هامشاً أكبر لإدارة الجبهة الداخلية تحسبًا لأي رد صاروخي وهو ما جرى.
التقارير الإسرائيلية تحدثت عن ضرب عشرات الأهداف التابعة للحكومة الإيرانية، مع تركيز على شخصيات قيادية إذا ثبتت دقة هذه الضربات، فإن تأثيرها يتجاوز الخسائر المادية ليطال بنية القيادة والسيطرة، غير أن إيران، وفق معطيات سابقة، اعتمدت خلال السنوات الماضية سياسة "البدائل القيادية" تحسباً لأي استهداف، ما قد يقلل من أثر الضربة على استمرارية القرار العسكري، هنا تتضح معركة الإرادات، هل كانت المعلومات الاستخباراتية دقيقة بما يكفي لإحداث شلل حقيقي، أم أن النظام الإيراني سيستوعب الضربة سريعا؟
العمق الاستراتيجي… هل يبقى الصراع شرق أوسطياً؟
حتى الآن، يتمحور القتال جغرافيًا في الشرق الأوسط ضربات داخل إيران، صواريخ باتجاه إسرائيل، تحليق عسكري في الخليج. لكن العمق الاستراتيجي لا يُقاس فقط بخطوط النار، بل بشبكات التحالف والقدرات اللوجستية والدعم السياسي.
إيران تمتلك شبكة علاقات وتأثير في عدة ساحات إقليمية. هذه الشبكة تشكل ما يمكن تسميته "عمقاً مرناً"، يسمح بتوسيع دائرة الضغط دون إعلان حرب شاملة، لكن استخدام هذا العمق سيحمل مخاطر مضاعفة، لأنه قد يفتح جبهات متعددة في وقت واحد.
في المقابل، الولايات المتحدة تحتفظ بقواعد عسكرية في الخليج والعراق وسوريا، ما يمنحها قدرة على الرد السريع، لكنه يجعلها أيضاً عرضة للاستهداف.
لكن السؤال الأكثر حساسية: هل يمتد الصراع إلى آسيا الكبرى؟ فإيران ترتبط بعلاقات استراتيجية مع قوى آسيوية كبرى، لكن هذه العلاقات حتى الآن ذات طابع سياسي واقتصادي أكثر من كونها تحالفاً عسكرياً ملزماً.
القوى الآسيوية الكبرى تميل إلى تجنب الانخراط المباشر في نزاع مفتوح مع الولايات المتحدة بسبب إيران، لكنها قد تقدم دعماً دبلوماسيا أو اقتصاديا يخفف الضغوط، بمعنى آخر، العمق الآسيوي لإيران يوفر لها مساحة تنفس استراتيجية، لكنه لا يرقى في المرحلة الحالية إلى مظلة عسكرية مباشرة.
البعد النووي… جوهر الأزمة
التصريحات البريطانية والأميركية تؤكد أن جوهر التصعيد يرتبط بالبرنامج النووي الإيراني، فمسألة "عدم السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي" أصبحت خطا أحمر معلناً.
هنا تكمن المفارقة، الضربات العسكرية قد تؤخر البرنامج، لكنها قد تدفع إيران أيضًا إلى تسريع خطواتها النووية كوسيلة ردع، وهكذا يدخل الصراع في معادلة معقدة، فإذا تصاعدت الضربات، يرتفع احتمال الانسحاب الكامل من القيود النووية، وإذا تراجعت، قد تُفسر طهران ذلك كإقرار بقدرتها على فرض معادلات جديدة.
إذاً فالسيناريوهات المحتملة أولها احتواء سريع عبر تبادل ضربات محدود، ثم تدخل دبلوماسي مكثف لخفض التصعيد هذا السيناريو يتطلب رغبة متبادلة في تجنب حرب شاملة.
أما السيناريو الثاني حرب إقليمية محدودة حيث توسّع الاشتباكات لتشمل ساحات إضافية، مع استمرار الضربات الجوية والصاروخية دون تدخل قوى كبرى بشكل مباشر، فيما يقبع الخوف بالسيناريو الثالث وهو انزلاق غير محسوب أو خطأ في الحسابات، إصابة هدف حساس، أو سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، ما يدفع الأطراف إلى ردود فعل متسلسلة تخرج عن السيطرة.
حتى اللحظة، لا يزال الصراع في إطاره الشرق أوسطي المباشر، لكن ارتداداته تتجاوز الجغرافيا، السماء المكتظة فوق الخليج، والملاجئ المفتوحة في إسرائيل، والاجتماعات الطارئة في لندن وواشنطن، كلها إشارات إلى أن العالم يتابع بقلق مرحلة دقيقة من إعادة اختبار ميزان القوة، هل ما يحدث هو فصل عابر في صراع طويل، أم نقطة تحوّل تعيد رسم خطوط الردع من الخليج إلى ما هو أبعد؟ الإجابة، كما يبدو الآن، لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات.






