خاص – Syria One
ينام محمد العلي على الرصيف المقابل لمشفى الأطفال في دمشق منذ عدة أيام، فالرجل القادم من إحدى قرى محافظة دير الزور وصل العاصمة حاملاً ابنه المصاب بـ "سرطان الدم"، بحثاً عن العلاج ولأن قدرته المادية لم تسمح له بأن يستأجر ضمن أحد فنادق دمشق، فلم يجد بديلاً عن مشاركة بقية الأهالي الحال التي يعيشونها بانتظار انتهاء الفترة العلاجية لأطفالهم ضمن المشفى التي لا تسمح قوانينه بوجود أكثر من مرافق واحد للمريض والذي غالباً ما يكون الأم، ويقول العلي في حديثه لـ Syria One أن نوم الناس في الطرقات ليس من باب التوفير، بل من انعدام القدرة المادية على مواكبة الأسعار في دمشق، فلا يوجد شخص يفضل النوم في الشارع "إلا أننا مضطرون لمثل هذا الخيار".
روحوا ع الشام
وتستغرب أم حيان (اسم مستعار)، من انعدام وجود مشافي مؤهلة لاستقبال الحالات المرضية كالجراحة العظمية أو أمراض الدم أو الحالات الدقيقة في المنطقة الشرقية، وأبسط ما يمكن سماعه من الأطباء في تلك المنطقة هو جملة "روحوا على الشام"، فالأطباء في المحافظات الشرقية غالباً ما يعترفون بالعجز عن تقديم الخدمات الطبية النوعية سواء في المشافي العامة أو الخاصة، وعلى الرغم من وجود عدد ضخم من المنظمات التي تعمل في المنطقة الشرقية منذ سنوات، لم تفكر أي جهة بإعادة تجهيز أي من المشافي في المنطقة بمعايير عالية، ولذا من الطبيعي أن تجد من ينام في الشوارع وهو ينتظر علاج ابنه في مشفى الأطفال، وربما في مشافي أخرى ستجد ذات الصورة، إذ غالباً ما يكون أبناء المنطقة الشرقية من المضطرين للنوم والانتظار طوال ساعات النهار أمام المشافي معرضين للشمس والظروف الصعبة.
وتقول عائشة الجاسم التي ترافق ابنتها في رحلة البحث عن علاج لـ حفيدها، إنها تنام في الحديقة إلى جانب العديد من النسوة المسنات اللواتي يرافقن مرضى في مشفى الأطفال، وتشرح لـ Syria one: جئنا من قرية شمال الرقة إلى دمشق لانعدام وجود أطباء بكفاءة جيدة في المنطقة، إضافة إلى انعدام الإمكانيات الطبية في محافظة الرقة، فقد يصل الأمر حد انعدام وجود أجهزة تصوير شعاعي في المشافي، وعدم وجود أدوية مضمونة في الصيدليات التي تعمل في الرقة، فقد تكون بعض الأدوية منتهية الصلاحية وفاقدة للفعالية، فسكان المنطقة لا يملكون الثقة حتى بجودة الأدوية ولهذا نتجه للعاصمة للبحث عن الخدمات العلاجية خاصة للأطفال، ولأن أسعار الفنادق مرتفعة جداً، وبعيدة عن مكان مشفى الأطفال، نلجأ للنوم في الحدائق أو على الأرصفة، وعلى الرغم من كون النوم في هذه الأماكن مزعج جداً إلا أننا لا نملك خياراً آخر.
بالنسبة لعبير فقد تأجل موعد عملية ابنها أكثر من مرة بسبب حالته الصحية، ما اضطر زوجها للبقاء أمام باب المشفى لمدة 10 آيام، وتقول لـ Syria one: ليس هناك مصدر لتمويل رحلة علاج ابنها إلا من خلال الاستدانة وانتظار حوالات الأقارب، ولهذا كان من الطبيعي أن ينام في الشارع كما يفعل الكثير من مرافقي المرضى، فالفنادق لا يقل سعر الليلة فيها عن 200 ألف ليرة سورية قديمة، وهذا مبلغ قد يؤمن أدوية ومصاريف متعددة يومياً بالنسبة لذوي المرضى، ولا يبدو أن هناك حلول لمثل هذه المشكلة سوى بإعادة تفعيل المشافي في المنطقة الشرقية وتخديمها بالأجهزة والمعدات والكوادر الطبية المؤهلة، فحتى عدد الأطباء في المحافظات الشرقية قليل.
بسطة للفقير
يعمل "أبو فارس" على واحدة من "البسطات"، التي تتخذ من رصيف مشفى الأطفال مكاناً لها لتقدم للمقيمين على الأرصفة الخدمات بأسعار رخيصة، فالرجل الذي يبيع المشروبات الساخنة وبعض أنواع البسكويت يقول لـ Syria one، إن الأشخاص الذين يضطرون للبقاء أمام باب المشفى أو قربه يحتاجون للمشروبات الساخنة أو المياه، ولا يمكنهم تحمل الإنفاق في المقاهي والكافتريات، خاصة أن محيط مشفى الأطفال كاملاً لا يوجد فيه أي نوع من المقاهي، وبالتالي فإن "البسطات"، توفر لهؤلاء ما يريدون بأسعار رخيصة وتساعدهم على الاقتصاد في النفقات، كما إن غالبية العاملين على البسطات هم أساساً من الفقراء الذين لم يجدوا فرصة عمل مناسبة فقرروا العمل هنا.
بينما يقول "أبو المجد"، في حديثه لـ Syria one، أصحاب البسطات هنا لا يستغلون الناس، فالأسعار مقبولة جداً، ونعمل هنا لأننا فعلياً لم نجد فرصة عمل سابقاً، وبالنسبة لي كنت أرافق ابني المريض قبل عام من الآن حينها كنت مضطراً للنوم على الأرصفة، حالياً أنام بالقرب من "البسطة"، فعائلتي تقيم في إحدى قرى ريف الحسكة الجنوبي، ومن خلال عملي هنا تتوفر لي القدرة على إعالتها، ولا أجد البسطات هنا تسبب ضرراً لأي شخص، بل على العكس هي جزء من مساعدة ذوي المرضى الذين يحتاجون لتوفير كل قرش ممكن توفيره في ظل الظروف المعاشية القاسية التي يعيشونها في مناطقهم أصلاً، ولا يمكن أن تجد بين هؤلاء شخصاً قادرا على النوم في غرفة مستأجرة أو فندق، ولا يمكن أن تجد بين أصحاب البسطات من يحاول استغلال الناس هنا، فهذا المكان مخصص للفقراء سواء من ذوي المرضى أو العاملين على الأرصفة.







