ميداني

على ضفتي الفرات.. تحشيدات دير حافر ومسكنة ومعركة الجغرافيا الصامتة

473
تحشيدات في دير حافر قسد والجيش السوري

تحشيدات متقابلة ورسائل غير معلنة

تشهد منطقتا دير حافر ومسكنة في ريف حلب الشرقي تصعيداً عسكرياً لافتا، يتمثل في تحشيدات متقابلة بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من جهة، والجيش السوري من جهة أخرى.

ورغم أن الاشتباك لم يتحول إلى مواجهة مفتوحة حتى الآن، إلا أن طبيعة التعزيزات وحجمها، إضافة إلى الخطاب السياسي المتبادل، تشير إلى أن ما يجري يتجاوز كونه إجراء احترازياً عابراً، ويدخل في إطار صراع إرادات على الجغرافيا ووظائفها الاستراتيجية.

هذه التحركات تأتي في لحظة سياسية حساسة، حيث لم تُحسم بعد طبيعة العلاقة بين دمشق وقسد، ولا شكل الترتيبات النهائية شرق الفرات وغربه. لذلك، تبدو دير حافر ومسكنة اليوم ساحة اختبار مبكر لحدود القوة، وقواعد الاشتباك، وهوامش التفاوض.

ماذا تمثل دير حافر ومسكنة لقسد؟

بالنسبة لقوات سوريا الديمقراطية، لا تُعد دير حافر ومسكنة مجرد بلدتين متاخمتين لمناطق نفوذها، بل تمثلان عقدة جغرافية بالغة الحساسية في معادلة السيطرة شرق وغرب نهر الفرات.

أهميتهما الأولى تنبع من كونهما تقعان غرب نهر الفرات مباشرة، أي خارج المجال الحيوي التقليدي لقسد. أي وجود أو نفوذ لقسد في هذه المنطقة يمنحها إمكانية العبور السياسي أو العسكري نحو غرب النهر، ولو بشكل محدود أو مرحلي.

هذا العبور، حتى إن لم يتحول إلى سيطرة دائمة، يخلق واقعاً تفاوضياً جديداً، ويكسر الخط الأحمر الجغرافي الذي حاولت دمشق تثبيته.

إضافة إلى ماسبق تشكل المنطقتان نقطة ضغط غير مباشرة على مدينة حلب، القلب الاقتصادي والديمغرافي للشمال السوري، فاقتراب قسد من هذا العمق يمنحها ورقة إضافية في أي مساومة سياسية مستقبلية، سواء مع الحكومة السورية أو مع أطراف إقليمية ودولية معنية بالملف السوري.

كما توفر دير حافر ومسكنة عمق مناورة دفاعي لقسد في حال تعرضت مناطقها شرق الفرات لضغوط عسكرية أو سياسية، فالوجود غرب النهر، ولو على شكل تحشيد أو تموضع مؤقت، يوسع هامش الحركة ويمنع محاصرتها جغرافياً.

من هذا المنظور، يمكن فهم حساسية قسد تجاه أي محاولة لإغلاق هذه الجبهة، وحرصها على نفي التحشيدات أحيانًا، أو التقليل من شأنها أحيانًا أخرى، لتجنب إعطاء دمشق مبرراً لتصعيد واسع.

لماذا تعتبرهما الحكومة السورية خطاَ أحمراً؟

في المقابل، تنظر الحكومة السورية إلى دير حافر ومسكنة باعتبارهما خط الدفاع المتقدم عن غرب الفرات وعن مدينة حلب، وأي اختراق أو نفوذ لقسد في هذه المنطقة يُنظر إليه كتهديد مباشر للأمن الاستراتيجي، وليس مجرد إشكال محلي.

فدمشق تحرص على ترسيخ الفرات كخط فاصل واضح بين مناطق سيادتها ومناطق سيطرة قسد، فالسماح بتجاوزه، ولو تكتيكيًا، يفتح الباب أمام سابقة يصعب احتواؤها لاحقًا.

كما ترى الحكومة أن هذه المنطقة قد تتحول إلى منصة عمليات أو ضغط أمني، سواء عبر تحركات عسكرية، أو استخدام وسائل قتالية حديثة، ما يضع حلب ومحيطها في دائرة الاستهداف المحتمل.

إضافة إلى ذلك يحمل الموقف السوري بعداً سيادياً واضحاً فأي وجود مسلح غير خاضع لسلطة الدولة غرب الفرات يُعد انتقاصاً مباشراً من مفهوم الدولة المركزية الذي تحاول دمشق إعادة فرضه بعد سنوات من التفكك.

من هنا، جاءت التعزيزات العسكرية، وإعلان المنطقة عسكرية مغلقة، كرسالة مزدوجة، ردع ميداني لقسد، وإشارة سياسية بأن غرب الفرات ليس مساحة تفاوض مفتوحة.

صراع جغرافيا أم بروفة تسوية؟

ما يجري في دير حافر ومسكنة ليس معركة عسكرية تقليدية، بل صراع على وظيفة المكان، هل يبقى غرب الفرات مجالًا سياديًا مغلقًا بيد الدولة، أم يتحول إلى مساحة رمادية قابلة لإعادة التشكيل؟.

التحشيدات المتقابلة تعكس هذا السؤال أكثر مما تعكس نية فورية للاشتباك.

ولكنها في الوقت نفسه تؤكد أن الجغرافيا هنا ليست صامتة، بل تنطق بلغة السياسة الثقيلة، حيث كل كيلومتر هو ورقة، وكل تموضع رسالة، وكل تحرك مقدمة لاحتمال أكبر لم يُحسم بعد.


مقالات ذات صلة

قٌتل 23 شخصا بينهم 12 من الأطقم الطبية، منذ فجر السبت، في غارات إسرائيلية متفرقة على الأراضي اللبنانية، ضمن الهجوم المتواصل منذ 2 مارس/ آذار الجاري.  وفي أحدث الغارات، قُتل 4 أشخاص في قصف إسرائيلي استهدف شقة في حارة صيدا جنوبي لبنان، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الرسمية.  كما شنت المقاتلات الإسرائيلية غارة على منزل في بلدة الطيبة، دون الإبلاغ عن وقوع إصابات حتى الساعة 06:50 (ت.غ).  وفي محافظة النبطية جنوب لبنان، قُتل 12 من الطواقم الطبية من الأطباء والمسعفين والممرضين إثر غارة إسرائيلية استهدفت مركز الرعاية الصحية الأولية في بلدة برج قلاوية بقضاء بنت جبيل، وفق بيان لوزارة الصحة اللبنانية.  وأضافت الوزارة في حينه أن "عمليات الإنقاذ متواصلة بحثا عن مفقودين تحت الأنقاض".  وفي المحافظة ذاتها، قُتل 7 أشخاص وأُصيب آخرون في غارة إسرائيلية على حي الراهبات، وفق وكالة الأنباء الرسمية.

مقتل 23 شخصا منذ فجر السبت بغارات إسرائيلية متفرقة على لبنان

قٌتل 23 شخصا بينهم 12 من الأطقم الطبية، منذ فجر السبت، في غارات إسرائيلية متفرقة على الأراضي
28
3 قتلى بانفجار مخلفات حرب في الأتارب بريف حلب الغربي

3 ضحايا بانفجار مخلفات حرب في الأتارب بريف حلب الغربي

قتل 3 أشخاص بينهم طفلان وأصيب 8 مدنيين بجروح، جراء انفجار وقع في موقع يحتوي على ألغام ومخلفات حرب في مدينة الأتارب بريف حلب الغربي
89
صاروخ يستهدف السفارة الأمريكية في بغداد.. مزيد من من مشاة البحرية والسفن إلى الشرق الأوسط

صاروخ يستهدف السفارة الأمريكية في بغداد.. مزيد من مشاة البحرية والسفن إلى الشرق الأوسط

أصاب صاروخ مبنى السفارة الأمريكية في بغداد، مما أدى إلى تصاعد الدخان منه
143
سنتكوم: مقتل كافة أفراد الطاقم الـ6 لطائرة التزويد بالوقود التي سقطت بالعراق

سنتكوم: مقتل كافة أفراد الطاقم الـ6 لطائرة التزويد بالوقود التي سقطت بالعراق

أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، الجمعة، مقتل كافة أفراد الطاقم الـ6 لطائرة التزويد بالوقود التابعة للولايات المتحدة التي سقطت غربي العراق
61
مقتل 20 شخصا بغارات إسرائيلية على مناطق متفرقة في لبنان منذ فجر الجمعة

مقتل 20 شخصا بغارات إسرائيلية على مناطق متفرقة في لبنان منذ فجر الجمعة

قتل 20 شخصا وأصيب آخرون، منذ فجر الجمعة، جراء غارات إسرائيلية استهدفت مناطق متفرقة في لبنان
42
سيرياون إعلان 7