أعادت مذكرة التفاهم التي وقعتها سوريا والعراق لإعادة تأهيل خط أنابيب كركوك–بانياس التركيز على هذا المشروع كأحد أهم مشاريع الطاقة في المنطقة، في خطوة يمكن تحليلها على أنها تتجاوز إعادة تشغيل خط لنقل النفط، لتفتح الباب أمام تساؤلات حول ما يمكن أن يحققه المشروع للاقتصاد السوري، ودوره المحتمل في إعادة تموضع سوريا على خريطة الطاقة الإقليمية.
فبالرغم من ما يحمله المشروع من فرص اقتصادية، يرى مختصون أن تحقيق هذه المكاسب يبقى مرهوناً بعوامل عدة يتصدّرها التمويل، والحالة الفنية للخط، والاستقرار الأمني والسياسي، إضافة إلى قدرة الجانبين على تحويل مذكرة التفاهم إلى مشروع قابل للتنفيذ.
إيرادات وفرص استثمار
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور "زياد عربش" أن إعادة تشغيل الخط يمكن أن يؤدي إلى انعكاسات اقتصادية مباشرة على سوريا وتبدأ من تأمين إيرادات عبور سنوية تتراوح بين 150 و200 مليون دولار، إلى جانب توفير النفط الخام بأسعار أقل، بما يدعم قطاع الطاقة المحلي ويخفف جزءاً من أعباء تأمين المشتقات النفطية.
وأوضح، في حديثه لـ Syria One، أن المشروع يمكن أن يسهم من جهة أخرى في تحفيز جهود إعادة الإعمار، ولا سيما إذا جرى مستقبلاً إنشاء مصفاة على الساحل السوري، بما يسمح بتغطية احتياجات السوق المحلية من المشتقات النفطية، وربما تزويد أسواق مجاورة مثل لبنان.
وأضاف أن أكثر القطاعات استفادة ستكون قطاع الطاقة والتكرير، إلى جانب النقل والخدمات اللوجستية وقطاع التشييد والبناء، وأشار إلى أن المشروع قد يوفر فرص عمل مباشرة في أعمال الصيانة والتشغيل، وفرصاً غير مباشرة في الخدمات المساندة، فضلاً عن إمكانية جذب استثمارات جديدة مستقبلاً، خاصة بعد رفع العقوبات عن وزارة النفط السورية في تموز/يوليو الماضي.
من جهة أخرى لفت عربش إلى أن رسوم العبور يمكن أن تشكل مورداً مالياً مستداماً للخزينة العامة، إلا أن استمرار هذه الإيرادات يبقى مرتبطاً بتوافر الاستقرار الأمني وإبرام اتفاقيات طويلة الأجل مع الجانب العراقي، مشيراً إلى أن العائدات المتوقعة من المشروع قد تسهم على المدى البعيد في تحديث الموانئ السورية والبنية التحتية المرتبطة بقطاع الطاقة، وهذا يعزز قدرة البلاد على استثمار موقعها الجغرافي.
بوابة جديدة للطاقة
يؤكّد عربش أن المشروع يحمل أيضاً بعداً استراتيجياً يتمثل في إعادة ترسيخ موقع سوريا كممر طبيعي للطاقة بين الشرق الأوسط والبحر المتوسط، ولا يقتصر على المكاسب المالية فقط.
ويرى أيضاً من زاوية المصلحة العراقية، بأن المشروع يعد منفذاً إضافياً لتصدير النفط العراقي، إذ يقلل من اعتماده على مضيق هرمز، والذي تمر عبره النسبة الأكبر من صادراته النفطية، كما قد تمهد الطريق أمام مشاريع إقليمية أخرى في مجال الطاقة، مثل خطوط نقل الغاز، إذا توفرت الظروف المناسبة.
ويضيف أن هذا التعاون يمكن أن يعزز مكانة سوريا الاقتصادية والإقليمية، ويعيدها إلى موقع أكثر فاعلية في ملف أمن الطاقة، وهذا ينعكس على علاقاتها الاقتصادية مع العراق ودول المنطقة، ويقوي موقفها في أي شراكات أو مفاوضات اقتصادية مستقبلية.
تحديات التنفيذ
ورغم هذه الفرص، يشير الخبير الاقتصادي إلى أن المشروع يواجه تحديات كبيرة، يعدّ في مقدمتها ارتفاع تكلفة إعادة التأهيل، والتي يقدرها بما يتراوح بين 6 و8 مليارات دولار، في ظل الأوضاع الاقتصادية التي يمر بها البَلدان وارتفاع تكاليف مواد البناء والمنشآت النفطية.
ويضيف أن أجزاءً من خط الأنابيب متوقفة عن العمل منذ عام 2003، وهذا يتطلب تقييماً فنياً شاملاً واستبدال عدد من المكونات، حتى وإن أمكن الحفاظ على مسار الخط مع إجراء تعديلات محدودة عليه.
كما يلفت إلى أن الجوانب الأمنية تمثل أيضاً تحدياً آخر، سواء من حيث حماية الخط من أي أعمال تخريب، أو ضمان استقرار البيئة المحيطة بالمشروع، إلى جانب ضرورة تجنب عودة أي عقوبات قد تعيق وصول النفط إلى الأسواق الأوروبية.
نجاح مرهون بالاستقرار
يشدد عربش على أن نجاح المشروع يتطلب بالضرورة توفير مجموعة من الشروط الأساسية، أبرزها تأمين استثمارات كافية عبر شراكات دولية، وتوفير ضمانات أمنية لحماية خط الأنابيب، إضافة إلى توقيع عقود طويلة الأجل تضمن استدامة تشغيله وتغطية تكاليفه.
ويؤكد أن العامل الحاسم يبقى في تحقيق بيئة سياسية واستثمارية مستقرة، معتبراً أن الاستقرار هو الركيزة الأساسية لجذب المستثمرين وتحويل المشروع من مذكرة تفاهم إلى مشروع اقتصادي قادر على إعادة تنشيط قطاع الطاقة وتعزيز موقع سوريا على خارطة الطاقة الإقليمية.






