سياسي

فنزويلا بعد مادورو.. من ضربة خاطفة إلى مستنقع مفتوح

259
ul

الحادثة ليست نهاية القصة بل بدايتها فقط، بعد إسقاط مادورو، تلوح حرب العصابات في الأفق، فهل تغرق واشنطن في المستنقع الفنزويلي الذي صنعته بيديها؟

لم يكن إخراج الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من السلطة ونقله إلى نيويورك سوى الفصل الأول في أزمة مرشحة للتصعيد فالعملية العسكرية الأميركية، رغم نجاحها التكتيكي السريع، فتحت باباً واسعاً لتعقيدات سياسية وأمنية قد تجعل فنزويلا مسرحاً لصراع طويل الأمد، يعيد إلى الأذهان تجارب تدخل أميركية انتهت بكلفة أعلى بكثير من حسابات البداية.

واشنطن تعاملت مع العملية بوصفها ضربة حاسمة ضد نظام تصفه بالإجرامي، وسارعت إلى استدعاء المقارنة مع اعتقال مانويل نورييغا في بنما عام 1990 غير أن هذه المقارنة تبدو مضللة.

فبنما كانت دولة صغيرة، ذات مؤسسات محدودة ونفوذ عسكري مركزي، بينما فنزويلا دولة أكبر وأكثر تعقيداً، تمتلك شبكة واسعة من الفاعلين المسلحين، واقتصاداً منهكاً، وانقسامات سياسية واجتماعية عميقة.

التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب مادورو، بل في بقاء النظام من دونه الجنرالات، أجهزة الاستخبارات، الميليشيات الحزبية، والعصابات المرتبطة بتجارة المخدرات لم تُسقط مع سقوط رأس السلطة هؤلاء يشكلون بنية موازية للدولة، قادرة على تعطيل أي انتقال سياسي لا يضمن مصالحها أو وجودها.

من هنا، يصبح احتمال الانزلاق إلى العنف المنظم أو حرب العصابات أكثر واقعية من سيناريو الانتقال السلس. الولايات المتحدة، التي أعلنت استعدادها لإدارة البلاد مؤقتاً، تجد نفسها أمام معضلة مزدوجة: كيف تفرض الاستقرار من دون احتلال طويل الأمد، وكيف تدير بلداً منقسماً من دون شرعية دولية أو توافق داخلي واضح، فالمعارضة، رغم الدعم الغربي، لا تمثل كتلة متجانسة، وزعاماتها، مثل ماريا كورينا ماتشادو، لا تحظى بإجماع داخلي كافٍ، بينما يواجه أي بديل من داخل النظام أزمة ثقة شعبية عميقة.

المشهد الأمني يزيد الصورة قتامة، فوجود جماعات مسلحة محلية، إلى جانب تنظيمات عابرة للحدود، يخلق بيئة مثالية لحرب غير متكافئة، ومع أي فراغ في السلطة، قد تتحول مناطق واسعة إلى ساحات نفوذ متنازع عليها، ما يهدد ليس فقط وحدة الدولة، بل أيضاً استقرار أسواق الطاقة ويغذي موجات هجرة جديدة في القارة.

تطرح واشنطن ثلاثة مسارات محتملة: الأول، بناء تحالفات مع بقايا النظام لإدارة انتقال مضبوط، وهو خيار محفوف بالمخاطر لأنه يعيد إنتاج المنظومة نفسها بواجهة جديدة، والثاني، وهو الأفضل نظرياً، يتمثل في انشقاق النخبة الحاكمة وقبولها بتسوية تفتح الطريق أمام انتقال سياسي وانتخابات، مقابل ضمانات قانونية، أما الثالث، والأخطر، فهو رفض هذه النخبة التفاوض، ما يقود إلى تفكك الدولة ودخولها في دوامة عنف طويل الأمد.

تجربة الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق وليبيا تلقي بظلالها الثقيلة على هذا المشهد، فالتاريخ القريب يثبت أن إسقاط الأنظمة بالقوة لا يعني بالضرورة بناء الدولة، وأن الفراغ الناتج غالباً ما تملؤه الفوضى لا الديمقراطية.

وفي هذا السياق، يخشى كثيرون أن تكون فنزويلا بداية مرحلة جديدة من التدخل الأميركي المباشر في أميركا اللاتينية، بما يعيد إحياء مخاوف "الإمبريالية الحديثة" ويضعف صورة واشنطن الدولية.

الأخطر أن هذا التدخل، إذا فشل، قد يمنح خصوم الولايات المتحدة، مثل الصين وروسيا، ذريعة سياسية وأخلاقية لتوسيع نفوذهم الإقليمي، ويقوض النظام الدولي الذي تدعي واشنطن الدفاع عنه،. فغياب الشرعية الدولية، وعدم وضوح الأفق السياسي، يجعلان من فنزويلا اختباراً حقيقياً لقدرة الولايات المتحدة على تحويل القوة العسكرية إلى استقرار مستدام.

في المحصلة، قد يكون إسقاط مادورو إنجازاً سريعاً، لكنه لا يضمن نهاية الأزمة. السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس كيف سقط النظام، بل كيف ستخرج واشنطن من فنزويلا. فإما أن تنجح في إدارة انتقال معقد وطويل النفس، أو تجد نفسها غارقة في مستنقع فنزويلي صنعته بيديها، حيث تكون حرب العصابات هي العنوان الأبرز لمرحلة ما بعد “الانتصار”.


مقالات ذات صلة

حريق في ناقلة بعد إصابتها بمقذوف ‏مجهول قرب سواحل سلطنة عمان

حريق في ناقلة بعد إصابتها بمقذوف ‏مجهول قرب سواحل سلطنة عمان

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية اليوم ‏الثلاثاء، أن حريقاً اندلع في ناقلة بعد إصابتها بمقذوف ‏مجهول على جانبها الأيسر أثناء إبحارها قرب سواحل سلطنة عمان
3
الرئيس الشرع: زيارة الرئيس الفرنسي إلى سوريا ستشهد توقيع عدد من الاتفاقيات

الرئيس الشرع: زيارة الرئيس الفرنسي إلى سوريا ستشهد توقيع عدد من الاتفاقيات

أكد الرئيس السوري أحمد الشرع في مقابلة على قناة BFMTV الفرنسية أن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سوريا ستشهد توقيع عدد من الاتفاقيات
7
الناتو سيبرم عقودا جديدة لتعزيز قدراته الدفاعية

الناتو سيبرم عقودا جديدة لتعزيز قدراته الدفاعية

تعهد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي الناتو مارك روته، اليوم الإثنين، بأن يبرم الحلف عقوداً جديدة بقيمة عشرات مليارات الدولارات، في إطار جهوده لتعزيز قدراته الدفاعية
25
ماكرون يصل إلى دمشق في زيارة غير مسبوقة

ماكرون يصل إلى دمشق في زيارة غير مسبوقة

وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الاثنين إلى دمشق في زيارة غير مسبوقة، هي الأولى لرئيس دولة غربية كبرى إلى سوريا منذ تولي الرئيس أحمد الشرع الرئاسة أواخر عام 2024 بعد سقوط النظام السابق، بحسب وكالة فرانس برس
38
هل يلتقي ترامب الشرع في أنقرة؟ وهل تُفتح صفحة جديدة في معادلات الشرق الأوسط؟

هل يلتقي ترامب الشرع في أنقرة؟ وهل تُفتح صفحة جديدة في معادلات الشرق الأوسط؟

قال مسؤول أميركي كبير أمس إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيلتقي الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي تستضيفها تركيا هذا الأسبوع
63
سيرياون إعلان 7