مجتمع

رمضان والصوم الكبير في موعد واحد.. كيف ينعكس هذا التلاقي على المجتمع السوري؟

201
رمضان والصوم الكبير في موعد واحد.. كيف ينعكس هذا التلاقي على المجتمع السوري؟

يشهد العالم هذا العام تزامناً لافتاً بين شهر رمضان المبارك لدى المسلمين والصوم الكبير لدى المسيحيين، في تقاطع زمني نادر يجمع أتباع الديانتين على ممارسة روحية واحدة عنوانها الامتناع والتأمل والتقرب من الله، ويمنح هذا التلاقي، الذي يتكرر على فترات متباعدة بسبب اختلاف التقويمين الهجري والميلادي، بُعداً إنسانياً أعمق لفكرة الصيام باعتباره مدرسةً مشتركة تُعلّم الصبر والتراحم والانضباط.


البعد الديني.. صومٌ يلتقي على قيم واحدة


بدأ رمضان هذا العام في التاسع عشر من شباط، متزامناً مع الأسابيع الأولى من الصوم الكبير لدى الكنائس الشرقية، الذي يمتد حتى مطلع نيسان، ورغم اختلاف طبيعة الصيام بين الديانتين - فالمسلمون يمتنعون عن الطعام والشراب من الفجر حتى الغروب، بينما يبتعد المسيحيون عن المنتجات الحيوانية طوال أربعين يوماً - إلا أن الهدف الروحي واحد يتمثل بتهذيب النفس، وتطهير القلب، وتعزيز الإحساس بالآخر.


ويرى رجال دين مسيحيون، بينهم المطران جورج باتسينغ في رسالة تهنئة نُشرت في ألمانيا، أن هذا التزامن "إشارةٌ جيدةٌ” تُذكر بما يجمع البشر أكثر مما يفرقهم، وتدعو إلى فتح القلوب على معاناة الشعوب، خصوصاً في الأراضي المقدسة التي ما تزال تبحث عن سلامٍ دائم.  


الصيام والصحة.. فوائد مثبتة علمياً


تؤكد دراسات غذائية أوروبية، بينها أبحاث لجامعة هوهنهايم الألمانية، أن الامتناع المنظم عن الطعام يُحدث تغييرات إيجابية في الجسم، منها:


-  تحسين مستويات الكوليسترول


- خفض ضغط الدم


-  تنظيم سكر الدم


-  دعم فقدان الوزن عند الالتزام بنوعية غذاء متوازنة.


وتشير خبيرة التغذية بربرا ليدر إلى أن الصيام -سواء كان مسيحيًاً أو إسلامياً- يمكن أن يتحول إلى نمط حياة صحي إذا رافقته اختيارات غذائية سليمة وشرب كميات كافية من السوائل عند الإفطار، لكنها تشدد على ضرورة استشارة الطبيب لدى المصابين بأمراض مزمنة كالكلى والسكري قبل تغيير النظام الغذائي.  


دمشق.. مدينة تتزيّن بروح مشتركة


في العاصمة السورية، ينعكس التزامن على الحياة اليومية بصورة لافتة، ففي أحياء دمشق القديمة مثل القصاع وباب توما وباب شرقي والميدان والصالحية، تعود عادة "السكبة" التي يتبادل فيها الجيران أطباق الطعام، في مشهد يعكس عمق التعايش التاريخي بين المسلمين والمسيحيين، كما تشهد بعض الكنائس مبادرات فريدة، إذ تُقام موائد إفطار يومية يشارك في إعدادها أبناء الطائفتين، بينما تتجاور فوانيس رمضان مع شموع الصوم في الشوارع المختلطة، لتصنع لوحة بصرية تعبّر عن وحدة المجتمع رغم اختلاف الطقوس.


رسائل إنسانية.. التضامن أساس التعايش


المجلس التنسيقي للمسلمين في ألمانيا شدّد في بيانٍ رسمي على أن رمضان يذكّر الناس بمسؤولياتهم تجاه الفقراء والمتضررين، داعياً إلى تعزيز قيم الرحمة والعمل الخيري، واعتبر المتحدث باسمه، علي ميتة، أن الصيام يُعيد التذكير بأن التضامن والمراعاة ليست شعارات، بل سلوك يومي يجب أن يُمارس، وتتفق هذه الرسالة مع دعوات رجال الدين المسيحيين إلى مواجهة كل أشكال العداء -سواء كان عنصرية أو معاداة السامية أو معاداة الإسلام- والتمسّك بكرامة الإنسان كقيمة عليا.  


تلاقي الصومين.. لحظة نادرة تُعيد تعريف الروحانية المشتركة


يُجمع باحثون في علم الاجتماع الديني على أن تزامن الصومين يمنح فرصة لإعادة قراءة العلاقة بين أتباع الديانتين من زاوية إنسانية، إذ يلتقي الجميع على ممارسة واحدة تُعلّم الصبر، وتُهذّب النفس، وتُعزّز الإحساس بالآخر، وفي مدن مثل دمشق، يتحوّل هذا التلاقي إلى طقس اجتماعي يذكّر بتاريخ طويل من العيش المشترك، لتبقى الرسالة الأبرز لهذا العام أن الصيام -بكل أشكاله- ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل دعوةٌ إلى السلام الداخلي، والتضامن الإنساني، والعودة إلى جوهر القيم المشتركة.


مقالات ذات صلة

خيطٌ أخير في مهنة "على الطلب فقط!".. هل انقرضت مهنة الخياطة الرجالية؟

خيطٌ أخير في مهنة "على الطلب فقط!".. هل انقرضت مهنة الخياطة الرجالية؟

في زاوية ورشة صغيرة وخلف طاولة القماش المرتب بعناية، يجلس العم "أبو مرهف"، الذي أمضى أكثر من 25 عاماً في مهنة الخياطة الرجالية بين المقصّات والدبابيس
291
ما الذي يوقف الغش في الامتحانات؟.. أسعيد لـ Syria One: أنظمة التعليم التي تعتمد على الفهم تسجل مستويات أقل من الغش

ما الذي يوقف الغش في الامتحانات؟.. أسعيد لـ Syria One: أنظمة التعليم التي تعتمد على الفهم تسجل مستويات أقل من الغش

يشهد ملف الامتحانات في سوريا هذا العام تحوّلاً لافتاً بعد إعلان وزارة الاتصالات عدم اللجوء إلى قطع الإنترنت خلال فترة الامتحانات، والاكتفاء بالاعتماد على تقنيات بديلة لضبط محاولات الغش
372
التخصص الجامعي.. رغبات حقثقية أم "برستيج"؟.. باحثة لـ Syria One: النتائج ستكون عكسية على المستوى المهني

التخصص الجامعي.. رغبات حقيقية أم "برستيج"؟.. باحثة لـ Syria One: النتائج ستكون عكسية على المستوى المهني

"بدنا تبيّض وجهنا قدام الناس".. بهذه العبارة البسيطة، يتحدد مستقبل الكثير من الطلاب السوريين بمجرد صدور نتائج البكالوريا (الشهادة الثانوية)، فقرار التخصص الجامعي، لا يخص الطالب وحده
327
الكراهية في وسائل التواصل.. عامل تفكيك اجتماعي والمراهقون أكثر تأثراً

الكراهية في وسائل التواصل.. عامل تفكيك اجتماعي والمراهقون أكثر تأثراً

تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي في سوريا إلى ساحة مفتوحة لخطابات التحريض والكراهية، تُطلق فيها الاتهامات والانقسامات بسهولة، وتنتشر فيها الشائعات بسرعة تفوق قدرة المجتمع على امتصاصها
372
مسموح زجاجة مياه واحد.. مرونة بعد الحظر يبديها الفيفا في كأس العالم

مسموح زجاجة مياه واحد.. مرونة بعد الحظر يبديها الفيفا في كأس العالم

أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" السماح للجماهير في مباريات كأس العالم 2026 المقررة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بإدخال زجاجة مياه واحدة مختومة من المصنع
57
سيرياون إعلان 7