يصر رئيس الولايات المتحدة على دفع الحكومة السورية نحو معركة داخل الأراضي اللبنانية لنزع سلاح حزب الله، لكن التصريحات التي تأتي من دمشق تشير إلى أن الأخيرة لا ترغب بمثل هذه المعركة لاعتبارات عدة، المعلن منها أن دمشق تريد أن تكون ذات دور إيجابي في الملفات اللبنانية الداخلية، وألا تذهب نحو عسكرة العلاقات.
ويبدو أن الحكومة السورية تدرك معنى الدخول في مثل هذه المعركة التي لن تبقى محصورة داخل الأراضي اللبنانية إذا ما بدأت، فالحسابات تستند إلى ارتباط العمليات العسكرية لحزب الله مع كل القوى المتحالفة مع إيران، واحتمال أن تتحرك هذه القوى بشكل كامل للانخراط في المعركة دفاعاً عن الحزب أمر وارد، وبالتالي من المحتمل جداً أن يتحرك الحشد الشعبي العراقي على جبهة الحدود الشرقية ليربك حسابات دمشق في مثل هذه المعركة، ناهيك عن احتمال أن تتدخل إيران بشكل مباشر لحماية الحزب، وبالتالي قد تذهب نحو توجيه ضربات عسكرية للأراضي السورية، وهذا يعني بالضرورة أن المنطقة كلها سوف تشتعل.
وعلى هذا الأساس، تدرك دمشق أن الرغبة الأمريكية بحرب ضد حزب الله لن تصب في مصلحة دمشق أو أي من الأطراف التي تساندها على المستوى السياسي والاقتصادي.
كما أن دخول القوات السورية إلى لبنان قد يعني بالنسبة للحزب حرباً مفتوحة للحفاظ على وجوده، وهنا قد تتحرك القوى المتحالفة مع الحزب، سواء من القوى اللبنانية أو الفلسطينية، للمشاركة في مواجهة القوات العسكرية السورية، في الوقت ذاته قد تتحرك القوى المتخاصمة أو المعادية لحزب الله من المكونات اللبنانية لمساندة القوات السورية أو لاستغلال الفرصة لفرض قواعد جديدة في الداخل اللبناني، وهذا يعني أن لبنان سيكون مسرحاً لحرب ستكون في جزء منها حرباً أهلية.
وفي الحسابات العسكرية، تبدو دمشق مدركة لخطورة ما فعلته قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال الأيام الأولى لسقوط نظام بشار الأسد من تدمير ممنهج لوسائط الدفاع الجوي السورية، وبذلك تكون الأراضي السورية مكشوفة أمام الصواريخ التي قد يطلقها حزب الله من الداخل اللبناني باتجاه الأراضي السورية، أو حتى تلك التي من الممكن أن تطلقها إيران دعماً للحزب.
وهذا لا يعني أن موازين القوى العسكرية تميل لصالح حزب الله، لكن الجريمة الإسرائيلية التي تمثلت في تدمير وسائط الدفاع الجوي وعدم استعاضة هذا السلاح حتى الآن من قبل الحكومة السورية هو واحد من الأسباب التي تستند إليها دمشق لرفض طلب حليفها الأكثر أهمية والمتمثل بالإدارة الأمريكية.
إن إدراك دول الإقليم لخطورة مثل هذه المعركة يدفع نحو ممارسة دور سياسي ضاغط على الإدارة الأمريكية لمنع اشتعال المنطقة بحرب جديدة، خاصة وأن الإدارة الأمريكية وقعت مذكرة تفاهم مع نظيرتها الإيرانية لإنهاء الحرب، ولأن إيران تصر على أن يكون لبنان جزءاً من الاتفاق وتهدد بإعادة إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة العالمية حماية لحزب الله من الهجمات الإسرائيلية الحالية، فإنها من باب الضرورة أيضاً ستقوم بذات الدور للدفع بوقف أي عملية عسكرية قد تطلقها دمشق ضد حزب الله.
لكن الرفض السوري للانخراط في مثل هذه المعركة سيكون له ثمنه على المستوى السياسي، فقد يقل الدعم الأمريكي للحومة السورية، أو يتم التلويح بإعادة إشعال ملفات داخلية مثل ملف العلاقة مع قوات سوريا الديمقراطية، أو حتى ملف الجنوب السوري من خلال إعطاء الضوء الأخضر للقوات الإسرائيلية للتوغل أكثر داخل أراضي سوريا واقتطاع أجزاء جديدة منها، أو إعادة إشعال ملف السويداء سواء على المستوى السياسي أو على المستوى العسكري.
لكن دمشق تعول على موقف داعم من دول المنطقة خاصة تركيا والسعودية وقطر، وهي الدول التي يبدو أنها ترفض أي عملية عسكرية سورية داخل لبنان، كما أن الحكومة الفرنسية سيكون لها موقف سلبي من مثل هذه المعركة وسترفضها قولاً واحداً، مما سيدفع المجموعة الأوروبية للضغط لمنع مثل هذه المعركة.
رفض المعركة لا يعني أن الإدارة الأمريكية ستتخلى عن فكرة نزع سلاح حزب الله، لكن قد يتم البحث عن مسار آخر تُطبَّق من خلاله هذه الفكرة بالطرق السلمية، إذ يتفق العالم ككل على ضرورة إنهاء الصراع العسكري في منطقة الشرق الأوسط والعودة إلى زمن من التهدئة يمكن من خلاله استثمار السوق السورية بالشكل الأمثل والدخول في استثمارات داخل لبنان خاصة على المستوى النفطي في مياه البحر الأبيض المتوسط.
ولن تغامر سوريا المرهقة اقتصادياً بتأجيل مرحلة التعافي الاقتصادي من خلال الدخول في حرب لن تكون قصيرة الأجل ولن تكون محدودة المساحة، كما أن دمشق ملزمة بالتفكير بالعلاقة مع العراق الذي قد يورطه الحشد الشعبي بدخول المعركة وبالتالي ينعكس الأمر سلباً على العلاقات الاقتصادية التي تريدها دمشق في مستويات عدة، فبغداد تعد أكبر الأسواق القريبة للصناعة السورية، ناهيك عن التعاون النفطي الهام بين البلدين.






