لم تكن خيوط الصوف وإبرة الكروشيه بالنسبة إلى ريما ممدوح حسن مجرد أدوات لصناعة المشغولات اليدوية، بل وسيلة لتعليم الأطفال الصبر وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، ومساحة للتعبير عن مشاعرهم بعيداً عن الشاشات الإلكترونية، فمنذ انطلاق مشروعها "كروشيه ريما" قبل خمس سنوات، سعت إلى تحويل حرفة يدوية إلى تجربة تربوية واجتماعية، رغم التحديات ومحدودية الإمكانات.
وتؤكد حسن لـ Syria One أن المشروع لم يكن حلماً خططت له منذ البداية، بل محاولة للتغلب على ظروف صعبة في حياتها، تطورت تدريجياً إلى مبادرة تحمل رسالة إنسانية تتجاوز صناعة المنتجات اليدوية.
من الحرفة إلى بناء شخصية الطفل
اختارت حسن تعليم الأطفال الكروشيه لقناعتها بأن الحرف اليدوية تساعد على تنمية التركيز والصبر، خصوصاً مع تزايد ارتباط الأطفال بالهواتف والشاشات.
وفي تصريح لـ Syria One توضح حسن أن مشروعها لا يقتصر على تعليم الغرز، بل يسعى إلى تعزيز التفكير المستقل والثقة بالنفس، وتشجيع الأطفال على البحث عن حلول لمشكلاتهم بدلاً من انتظار الإجابات الجاهزة.
وتشير إلى أن جلسات العمل تتحول أحياناً إلى مساحة للحوار، يشارك فيها الأطفال مشكلاتهم ومواقفهم اليومية، بما فيها أمور قد يترددون في الحديث عنها أمام أسرهم، ما يتيح لها مساعدتهم على فهم الأخطاء وتقبّل الآخرين والتسامح معهم.
من الخطأ إلى النجاح
تعتبر حسن أن تعلّم الكروشيه يمنح الأطفال دروساً تتجاوز الحرفة نفسها، إذ يتطلب الصبر وإعادة المحاولة، وأحياناً فك أجزاء من العمل لتصحيح الأخطاء.
وتستذكر طفلة بكت عندما اضطرت إلى إعادة جزء من مشغولاتها، لكنها تعلمت لاحقاً تقبّل الخطأ وإصلاحه دون الانفعال السابق، معتبرة أن هذه التجربة تعكس تطور قدرة الطفل على مواجهة الصعوبات.
كما تستعين بقصة توماس أديسون ومحاولاته في تطوير المصباح الكهربائي لتشجيع الأطفال على المثابرة، مؤكدة أن الإخفاق ليس نهاية الطريق.
ولكسر رتابة الجلسات، تُدخل الموسيقى والحركات الرياضية والفواصل الترفيهية، بما يساعد الأطفال على تجديد نشاطهم والاستمتاع بالتعلم.
علاقة تتجاوز حدود التعليم
ترى حسن أن أبرز مكاسب تجربتها تتمثل في العلاقة الإنسانية التي نشأت بينها وبين الأطفال، وما تحمله من محبة وثقة متبادلة.
وتقول في حديثها لـ Syria One إن الأطفال علموها معنى الحب الصادق والمشاعر الحقيقية، وهي دروس لم تتلقَّها في الجامعة أو الدورات التدريبية أو الحياة العملية.
وتروي أن بعض الأطفال يشاركونها أسرارهم ومشكلاتهم، بينما يحاول آخرون مواساتها عندما يشعرون بحزنها، حتى إنهم قد يكتفون باحتضانها عندما يُطلب منهم وصفها بكلمة واحدة.
وتؤكد أن هذه المواقف تجعلها تشعر بأن نجاح المشروع لا يُقاس بعدد القطع المنجزة، وإنما بالأثر الذي يتركه في نفوس الأطفال وشعورهم بأن هناك من يستمع إليهم ويقدّرهم.
خمس سنوات من التحديات والطموح
تؤكد حسن أن أصعب ما واجهته لم يكن إطلاق المشروع، بل الاستمرار فيه والمحافظة على رسالته رغم محدودية الموارد، خصوصاً أن طموحاتها كانت أكبر من الإمكانات المتاحة.
وتشير إلى أنها شعرت أحياناً بأنها تقدم للمجتمع جهداً يفوق طاقتها، لكنها واصلت العمل مدفوعة بإيمانها وثقتها بنفسها وبالأطفال.
ولا تنظر إلى مشروعها بوصفه وسيلة لصناعة منتجات يدوية فحسب، بل فرصة لإظهار قدرة الإنسان السوري على الإبداع رغم الظروف القاسية التي عاشها خلال الحرب، وتقديم صورة إيجابية عن سوريا من خلال أعمال تحمل قيمة إنسانية وفنية.
الدعم والأحلام المستقبلية
تدعو حسن عبر Syria One إلى دعم المبادرات الموجهة للأطفال، مؤكدة أن الدعم المعنوي لا يقل أهمية عن المادي، وأن كلمة تشجيع أو اهتماماً بسيطاً قد يمنح الطفل ثقة كبيرة بنفسه ويحفزه على الاستمرار.
أما طموحاتها، فتؤكد أنها تتجدد مع كل إنجاز، دون أن ترتبط بحلم نهائي محدد، إذ ترى في كل مرحلة فرصة للتطور.
وتتمنى أن تبقى حاضرة في ذاكرة الأطفال بعد عشرين عاماً، وأن يتذكروا تجربتهم معها بمحبة، وأن يحملوا معهم قيم الصبر والتسامح والثقة بالنفس.
وبين خيوط الصوف وأحاديث الأطفال ومحاولاتهم المتكررة، تواصل ريما حسن مشروعها، مؤمنة بأن الإنجاز الحقيقي لا يقتصر على ما تصنعه الأيدي، بل يمتد إلى ما تتركه التجربة من أثر في الإنسان.






