يشكّل خوف الأطفال من الأشخاص الجدد ومواجهة الغرباء أحد أبرز التحديات التي تشغل بال العائلات، إذ يقف الآباء والأمهات غالباً في منطقة حائرة بين رغبتهم في حماية أطفالهم وبناء وعيهم الأمني، وبين خوفهم من أن يتحول هذا الحذر الطبيعي إلى خجل مرضي أو قلق اجتماعي يعيق تطورهم النفسي والاجتماعي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الفهم العميق لطبائع الأطفال ومراحل نموهم للتفريق بين السلوك الطبيعي والمؤشرات التي تستدعي التدخل التخصصي.
وفي حديث لموقع Syria One، شرح الأخصائي النفسي وأخصائي تقويم اللغة والنطق أحمد يوسف، أبعاد خوف الأطفال من الغرباء، موضحاً الآليات العلمية للتعامل مع خجل الأطفال، وأبرز الأخطاء الشائعة التي يرتكبها الأهل بحسن نية، وكيفية بناء طفل واثق وقادر على حماية نفسه دون زرع الرهاب الاجتماعي فيه.
التمييز بين الخوف الطبيعي والقلق المرضي
أوضح يوسف لـ Syria One أنه من الطبيعي جداً أن يكون الطفل حذراً من الأشخاص الذين لا يعرفهم، خصوصاً في سنوات عمره الأولى، إذ يُعد هذا الحذر جزءاً من تطوره الطبيعي وله وظيفة حيوية في حمايته، وأكد أن المشكلة لا تكمن في وجود الخوف بحد ذاته، وإنما في شدته، ومدته، والطريقة التي يتعامل بها الطفل معه، ومدى تأثيره على حياته اليومية.
كما لفت إلى أن الطفل الذي يختبئ خلف والدته عند اقتراب غريب، ثم يبدأ بعد دقائق بالنظر إليه أو الاقتراب تدريجياً، لا يعاني من مشكلة نفسية، بل يحتاج فقط إلى بعض الوقت ليشعر بالأمان.
وفي المقابل، شدّد الأخصائي النفسي على أنه عندما يصبح الخوف شديداً ومتكرراً، ويبدأ الطفل بتجنب الروضة أو المناسبات أو اللعب مع أقرانه، أو يرفض الحديث مع الآخرين بشكل مستمر، أو تظهر عليه أعراض جسدية واضحة من القلق، أو يظل الخوف قائماً رغم تكرار المواقف الآمنة، فهنا يجب التوقف وتقييم الصورة بشكل أوسع، مشيراً إلى ضرورة عدم إطلاق وصف "القلق الاجتماعي" أو "الرهاب" على كل طفل خجول أو متحفظ، فالذين يُشخصون نفسياً يُقيمون بناءً على نمط مستمر يؤثر في قدرة الطفل على التعلم واللعب والتفاعل، وليس استناداً إلى موقف عابر.
احتواء بكاء الطفل وخوفه المباشر
بيّن يوسف أن ردة الفعل الأولى الغالبة لدى الأهل عند بكاء الطفل أو خوفه من غريب هي محاولة إقناعه بأنه "لا يوجد ما يخيف"، أو إجباره على السلام تجنباً للإحراج أمام الآخرين.
وأكد أن الأفضل هو البدء من نقطة مختلفة تماماً تقوم على الاعتراف بشعور الطفل ومنحه الأمان دون جعل الانسحاب الكامل هو الحل الوحيد، وأوضح أنه إذا اختبأ الطفل خلف والدته، يمكنها التعبير عن تفهمها بقولها: "شايفة إنك مو مرتاح هلق، خليك جنبي، ما رح نجبرك تحكي، ولما تحس حالك جاهز فيك تسلّم".
وأضاف الأخصائي النفسي لـ Syria One أنه يمكن بعد ذلك إعطاء الطفل فرصة صغيرة جداً للتقرب من خلال تخييره بسؤاله: "بدك تلوّح أو تأشر بإيدك؟"، وفي حال لم يستجب، يجب عدم تحويل الأمر إلى معركة أو خلاف، مشيراً إلى أن الهدف ليس إجبار الطفل على تجاوز الخوف، ولا المغادرة في كل مرة يشعر فيها بالخوف، بل إيصال رسالة مفادها: "أنا متفهم إنك خايف، وأنا معك، وبنفس الوقت انت قادر تتعامل مع هذا الموقف خطوة خطوة"، مؤكداً أن الطفل يحتاج إلى الشعور بالأمان واكتشاف قدرته الذاتية على مواجهة المواقف الجديدة.
موازنة الحماية الذاتية دون زرع الخوف
وفيما يتعلق بحماية الطفل من المخاطر الخارجية، نبه يوسف عبر Syria One إلى ضرورة الانتباه إلى أن ليس كل شخص غريب هو شخص خطير، وحذر من أن التكرار الدائم لعبارات من قبيل: "لا تحكي مع الغرباء أو الناس الي مابتعرفهن، الغرباء خطر" قد يزرع لدى الطفل خوفاً من المجتمع بدلاً من تعليم الأمان، وأكد أن البديل الأنسب هو تعليم الطفل الفرق بين الشخص الذي لا يعرفه وبين السلوك غير الآمن.
وأوضح أنه يمكن توجيه الطفل بعبارات مثل: "مو كل شخص ما منعرفه سيئ، بس إذا حدا طلب منك تروح معه أو يعطيك شي أو طلب منك تخبي شي عن ماما وبابا، لازم تخبرنا"، كما شدد على أهمية تعليم الطفل حقه في رفض ما لا يرتاح له، والابتعاد عن الموقف، ومعرفة الأشخاص البالغين الموثوقين الذين يستطيع طلب المساعدة منهم، لتربية طفل واعي بحدوده وقادر على حماية نفسه دون أن يخاف من المجتمع.
حسن نية الأهل وآثارها على خجل الطفل
سلط يوسف الضوء عبر Syria One على عبارات متداولة يكررها الأهل دون قصد سيئ، لكنها تترك أثراً عكسياً وتزيد من توتر الطفل وخجله، مثل: "يلا سلّم، عيب!" أو "ليش خجلان أو مستحي؟"، أو مقارنته بغيره كقول: "شوف ابن عمك كيف بيحكي مع الناس"، أو الوصف العلني أمام الآخرين بـ "هو ابني خجول وما بيحكي مع حدا"، وأوضح أن المشكلة هنا تكمن في الانتقال من وصف السلوك إلى صياغة هوية الصورة الذاتية للطفل أمام نفسه والآخرين.
وأشار الأخصائي النفسي إلى أن هذه العبارات تدفع الطفل للتفكير بأنه خجول ولا يجيد الحديث وأن الجميع يراقبه، مما يزيد من توتره مستقبلاً، كما أن إجباره على السلام أو العناق أو التحدث ينتهك حدوده الشخصية ويوحي له بعدم أهميتها، والنصائح البديلة هي منحه خيارات مشجعة مثل: "بدك تسلّم بإيدك ولا تقول مرحبا؟" أو "خود وقتك، لما تكون جاهز احكي"، لمساعدته على التقدم دون إشعاره بالفشل.
تأثير الحماية الزائدة وقلة الاختلاط
كذلك تطرق يوسف في حديثه إلى انعكاسات البيئة الأسرية، موضحاً أن الحماية الزائدة توصل للطفل رسالة غير مباشرة بأن "العالم خطر وأنت لا تستطيع التصرف بمفردك"، كما أن نشأته في بيئة قليلة التفاعل والفرص الاجتماعية تجعل مهاراته الاجتماعية أقل تمرساً، ودعا إلى تحقيق التوازن بعدم وضع الطفل فجأة أمام مجموعات كبيرة، بل بالبدء بمواقف تدريجية بسيطة.
واستعرض خطة التدرج العملي التي تبدأ بزيارة شخص مألوف، ثم وجود شخص جديد في المكان دون فرض التفاعل، ثم التلويح أو قول كلمة بسيطة، الانتقال بعدها لنشاط مشترك مع طفل واحد، وصولاً إلى المجموعات الأكبر عبر الحدائق أو الأنشطة الرياضية والرسم والموسيقى واللعب الجماعي، وشدد على مراعاة التمايز الفردي حيث يحتاج بعض الأطفال دقيقتين للاندماج بينما يحتاج آخرون نصف ساعة، دون تفضيل أحدهما على الآخر.
الفرق بين المزاج المتحفظ والاضطراب
وأكد الأخصائي النفسي أن الأطفال يراقبون سلوك الآباء بدقة، فعندما يدخل الطفل مكاناً جديداً ويرى أمه متوترة وتمسك بيده بقوة محذرة، فهو يقرأ القلق الضمني، بينما دخول الأم بهدوء وابتسامها وتحدثها الطبيعي يعطي نموذجاً عملياً بأن المكان جديد ولكنه ليس خطراً، كما يمكن للأهل إظهار النموذج عبر عبارات بسيطة كـ: "أنا ما بعرف هالشخص، بس رح سلّم عليه" أو "إذا ما فهمت شو قال، فيني أسأله، وهي تفاصيل تعلم المهارات الاجتماعية أكثر من المحاضرات النفعية.
وختم يوسف أنه لا ينبغي محاولة تغيير طبيعة الطفل إذا كان هادئاً وتحفظه يعود إلى ما يُعرف بـ "التثبيط السلوكي" أو المزاج المتحفظ. فالطفل المراقب يحتاج وقتاً ليشعر بالارتياح ثم يتواصل بفعالية، والمطلوب معه ليس "كسر الخجل" بل بناء الثقة تدريجياً.
أما إذا كان الخوف يعيقه عن حياته اليومية ويمنعه من المشاركة، فهنا تجب استشارة المختصين، وأكد أن الهدف التربوي ليس صنع طفل يتحدث مع الجميع بلا خوف، بل طفل مدرك لمشاعره ويقول: "أنا ممكن أخاف.. بس أنا بأمان، وبقدر آخذ وقتي، وبقدر أتعامل مع الموقف"، مبيناً أن دور الأهل الحقيقي لا يتلخص في سؤال الطفل: "ليش ما عم تحكي؟"، بل في تساؤلهم الذاتي: "شو الشي اللي بيخليه يحس بالأمان الكافي حتى يقدر يحكي؟".






