لم تكن سنوات اللجوء والنزوح بالنسبة للسوريين مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، بل شكلت تجربة اجتماعية طويلة تركت آثارها على أنماط الحياة والعلاقات الأسرية والقيم اليومية.
ومع عودة أعداد متزايدة من السوريين إلى مناطقهم الأصلية، تبرز تساؤلات حول قدرة العائلات على إعادة بناء أنماطها السابقة من التفاعل، ومدى تأثير التجارب المختلفة التي عاشها أفراد الأسرة خلال سنوات الغياب.
وفي حديثه لـ Syria One، يرى الباحث في علم الاجتماع الدكتور كريم أبو حلاوة أن العودة لا تعني بالضرورة استعادة الواقع الاجتماعي الذي كان قائماً قبل سنوات اللجوء، موضحاً أن كثيراً من العائلات عاشت خلال السنوات الماضية في بيئات مختلفة واكتسبت أنماطاً جديدة من التفكير والسلوك والعلاقات الاجتماعية، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على طبيعة التفاعل داخل الأسرة بعد العودة.
ويشير أبو حلاوة إلى أن جزءاً من التحديات يرتبط باختلاف الخبرات التي مر بها أفراد الأسرة أنفسهم، فبعضهم أمضى سنوات طويلة في مجتمعات أخرى واكتسب عادات وأساليب حياة جديدة، بينما بقي آخرون داخل سوريا وواجهوا ظروفاً مختلفة تماماً. ويقول إن هذا التباين قد يخلق فجوات في طريقة فهم القضايا اليومية أو في النظرة إلى بعض الأدوار والعلاقات داخل الأسرة.
ولا تقتصر هذه التغيرات على العلاقات بين الآباء والأبناء، بل تمتد إلى شبكة العلاقات العائلية الأوسع، إذ تعود كثير من الأسر اليوم إلى محيط اجتماعي تغير بدوره خلال سنوات الحرب والنزوح. فالأقارب والجيران الذين كانوا يشكلون جزءاً من الحياة اليومية قبل سنوات لم يعودوا بالضرورة كما كانوا، سواء من حيث أماكن الإقامة أو الظروف المعيشية أو حتى أنماط التفكير والسلوك.
وبحسب أبو حلاوة، فإن المجتمع السوري يقف أمام حالة من التفاعل بين تجارب اجتماعية مختلفة، الأمر الذي قد ينتج تحديات في بعض الأحيان، لكنه يتيح أيضاً فرصاً لإعادة بناء العلاقات على أسس جديدة تستفيد من الخبرات التي اكتسبها السوريون خلال سنوات اللجوء.
ويرى أن الاختلاف لا يعني بالضرورة حدوث صدام اجتماعي، بل يمكن أن يتحول إلى عامل إثراء إذا جرى التعامل معه ضمن بيئة مستقرة وقادرة على استيعاب التنوع في التجارب.
كما تلعب الظروف الاقتصادية دوراً مهماً في شكل العلاقات الأسرية بعد العودة. فالأسر التي تواجه صعوبات في السكن أو العمل أو تأمين الاحتياجات الأساسية تجد نفسها أمام ضغوط إضافية قد تنعكس على طبيعة العلاقات داخل المنزل. وفي المقابل، يمكن لتحسن الظروف المعيشية وتوفر فرص الاستقرار أن يسهما في تعزيز التماسك الأسري وتسهيل عملية التأقلم مع الواقع الجديد.
ويرى الباحث أن أحد الجوانب الإيجابية للعودة يتمثل في إعادة جمع أفراد كثير من العائلات بعد سنوات من التشتت بين الداخل والخارج، وهي فرصة قد تسهم في استعادة جزء من الروابط التي تضررت بفعل اللجوء والنزوح. كما أن ما يحمله العائدون من خبرات ومعارف جديدة يمكن أن ينعكس بصورة إيجابية على الأسرة والمجتمع إذا توفرت الظروف المناسبة للاستفادة منها.
وبين الرغبة في استعادة الحياة السابقة والواقع الذي فرضته سنوات الغياب الطويلة، تبدو العائلات السورية أمام مرحلة إعادة تعريف لكثير من علاقاتها اليومية. مرحلة لا تقوم على العودة إلى ما كان عليه الحال فحسب، بل على التكيف مع تحولات اجتماعية وثقافية تراكمت خلال سنوات اللجوء، لتصبح جزءاً من المشهد الأسري والاجتماعي الجديد في سوريا.






