عادت الألحان لتملأ حديقة الجاحظ من جديد ضمن فعالية “موسيقى للجميع” التي نظّمتها جمعية النهضة بدعم من مؤسسة اتجاهات.
الفعالية التي بدت للوهلة الأولى بسيطة، حملت في عمقها مشروعاً ثقافياً يعيد التفكير في علاقة السوريين بفضائهم العام، ويعيد الموسيقى إلى المكان الذي انطلقت منه.
"الشارع" عودة إلى الجذور
يقول المشرف على الفعالية الموسيقي دلامة شهاب لـ Syria One إن الفكرة بدأت من رغبة في تقديم موسيقى "قريبة من الناس، بلا مسارح ولا حواجز"، مبيناً أن المشهد الذي رآه لحظة تجمع الناس حول العازفين كان بالنسبة له إنجازاً كبيراً بحد ذاته، لأن الموسيقى عادت إلى الشارع بعد سنوات طويلة من الانقطاع، وعادت معها الحياة إلى الحديقة.
حيث يرى شهاب أن الموسيقى في الفضاء العام ليست مجرد عرض فني، بل طاقة تغيّر المكان، فالحديقة، كما يصفها، تبدو مختلفة تماماً حين يملؤها الصوت.. الناس تتفاعل، تبتسم، وتعيد اكتشاف علاقتها بالمكان".
فرق شابة
اختيار فرقتي آمان و Panic Band لم يكن مبنياً على رسالة محددة، كما يوضح شهاب، بل على رغبة في دعم الفرق الشابة التي تمتلك خبرة وقدرة على التواصل المباشر مع الجمهور في فضاء مفتوح.
“العزف في الشارع ليس كالعزف على المسرح”، يقول شهاب، مبيناً أن التجربة تحتاج إلى حرفية خاصة، وإلى قدرة على التفاعل مع الناس من المسافة صفر.
ويؤكد شهاب أن الفرق المختارة تمثل جزءاً من المشهد الموسيقي الشبابي في دمشق، وتملك طاقة مناسبة لفعالية من هذا النوع.
والهدف كان تشجيع هذه الفرق على تطوير أدواتها، ومنحها فرصة للظهور أمام جمهور واسع، خارج القاعات المغلقة.
جدل طبيعي
انتشار مقاطع الفعالية على انستغرام كشف حجم الاهتمام الشعبي.
شهاب وصف التفاعل بأنه "مفرح ومتناقض في الوقت نفسه" فبينما عبّر كثيرون عن سعادتهم بعودة الموسيقى إلى الحديقة، اعتبر آخرون أن "الحديقة ليست مكاناً للموسيقى".
لكن شهاب يرى أن هذا الجدل طبيعي، بل صحي، لأن “الموسيقى للجميع.. ولأنها للجميع كان لازم تكون بالشارع”، فالنقاش نفسه دليل على أن الفعالية لامست شيئاً حساساً في علاقة الناس بالمدينة، وأنها أعادت طرح سؤال مهم حول معنى الفضاء العام ودوره.
ويضيف شهاب أن الهدف لم يكن فرض الموسيقى، بل إعادة تقديمها كجزء من الحياة اليومية، بعيداً عن الرسمية والفضاءات المغلقة.
مفاجأة الدعم
أكبر التحديات كانت الحصول على الموافقات الرسمية لإقامة فعالية موسيقية في مكان عام.
لكن المفاجأة، كما يقول شهاب، أن محافظة دمشق دعمت الفكرة ورحّبت بها، معتبرة أن الفعالية تشكّل انطلاقة جديدة لفعاليات تعبّر عن دمشق وسوريا، ضمن ضوابط تحترم خصوصية المكان والناس.
مبيناً أن هذا الدعم، فتح الباب أمام التفكير بمشاريع أكبر، وأعطى إشارة إيجابية بأن الفضاء العام يمكن أن يعود مساحة للفن.
نحو مشروع مستمر؟
نجاح الفعالية فتح الباب أمام التفكير بتحويل "موسيقى للجميع" إلى مشروع دوري يمتد لأشهر، ويشمل حفلات متعددة في حدائق دمشق.
لكن استمرار المشروع مرتبط بالتمويل، وبإيجاد آلية تضمن حقوق الموسيقيين والفنانين كما يؤكد شهاب، الذي اعتبر أن الخطوة القادمة يجب أن تكون توسيع التجربة، وتحويلها إلى سلسلة فعاليات مستمرة، بحيث تصبح الموسيقى جزءاً من الحياة اليومية للمدينة، لا حدثاً استثنائياً.
يقول شهاب مختتماً حديثه: “نحن بلد يحمل الفن.. ويقدّم الفن.. والموسيقى لازم ترجع تكون جزء من الشارع، من الحياة، من الناس" لتكون "موسيقى للجميع" أشبه بخيطٍ رفيع أعاد وصل ما انقطع بين الناس والمدينة، حيث كانت الحديقة، التي اعتادت الصمت لسنوات طويلة، تتنفّس من جديد..وكأنها تستعيد ذاكرتها الأولى، حين كان الصوت جزءاً من يومها، لا حدثاً استثنائياً.






