لا يمكن قراءة عمل لجنة السلم الأهلي في سوريا بوصفه إجراءً إداريًا أو أمنيًا محدودًا، بل باعتباره أداة لإدارة المخاطر السياسية والاجتماعية في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع ثلاثة مسارات متناقضة ظاهريًا وهي مطلب العدالة، ضرورات الأمن، وهشاشة النسيج المجتمعي بعد سنوات من العنف.
منطق التأسيس.. منع الانفجار
جاء تشكيل اللجنة في لحظة كان فيها خطر الانفجار الأهلي حاضرًا بقوة، خصوصًا في مناطق شهدت احتقانًا مركّبًا، مثل الساحل السوري وأجزاء من دمشق، في هذا السياق، لم يكن الهدف إنتاج تسوية شاملة أو حسم ملفات الماضي دفعة واحدة، بل منع انتقال الغضب من المستوى الاجتماعي إلى مستوى العنف المنظم.
هنا تظهر اللجنة كصمام أمان كـ"آلية امتصاص صدمات" أكثر منها مؤسسة حكم نهائي، وهو نموذج شائع في تجارب ما بعد الصراع، حيث تُدار الأزمات قبل أن تُحل.
الإفراج عن الموقوفين كقرار أمني بغطاء اجتماعي
أحد أكثر ملفات اللجنة حساسية كان الإفراج عن موقوفين وضباط سابقين لم تثبت إدانتهم بجرائم حرب. سياسيًا، لم يكن هذا القرار موجّهًا فقط لهؤلاء الأفراد، بل لبيئاتهم الاجتماعية، التي كانت تشعر بالإقصاء أو التهديد، حيث سعت اللجنة إلى تفكيك معادلة "الهوية مقابل العقاب"، أي منع تحول الانتماء السابق إلى سبب دائم للعقاب الجماعي.
هذا لا يلغي مطلب المحاسبة، لكنه يفصل بين المسؤولية الفردية والانتماء المؤسسي، وهي نقطة مركزية في أي مسار عدالة انتقالية ناجح.
زيارات السجون.. سياسة إنسانية
تنظيم زيارات أهالي المعتقلين إلى السجون لا يمكن اعتباره خطوة إنسانية فقط، بل هو إجراء أمني ذكي. فغياب المعلومات يولد الشائعات، والشائعات تولد التطرف والغضب.
ومن خلال فتح قنوات التواصل، خففت اللجنة من منسوب القلق، وقلّصت مساحة الاستغلال السياسي لقضية المعتقلين.
في تجارب دولية عديدة، كان ملف المعتقلين الشرارة الأولى لانفجارات اجتماعية واسعة، وما قامت به اللجنة هنا هو إدارة هذا الملف قبل تحوله إلى أداة تعبئة خطيرة.
تفكيك النزاعات الصامتة
بعيدًا عن الإعلام، عملت اللجنة على جلسات صلح غير معلنة في مناطق شهدت احتكاكات طائفية أو عشائرية. هذه المقاربة تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة المجتمع السوري، حيث تُحلّ كثير من الأزمات عبر الوسطاء المحليين لا عبر المؤسسات الرسمية فقط.
وسياسيًا، هذه الجلسات منعت تشكّل جبهات نزاع كامنة كانت قادرة على الاشتعال عند أول صدمة أمنية.
العلاقة مع العدالة الانتقالية
أكثر ما يميّز خطاب اللجنة هو إصرارها على أن السلم الأهلي ليس بديلًا عن العدالة الانتقالية. لكن عمليًا، هناك توتر حتمي بين المسارين فالعدالة تحتاج وقتًا وأدلة ومحاكم، بينما السلم الأهلي يحتاج قرارات سريعة لوقف النزيف.
هذا التوتر ليس فشلًا، بل سمة طبيعية لكل مرحلة انتقالية، الخطر الحقيقي لا يكمن في هذا التوازي، بل في فقدان التنسيق بين المسارين.
في المحصلة، يمكن القول إن لجنة السلم الأهلي لا تسعى إلى تبييض الماضي ولا إلى طيّ صفحة الجرائم، بل إلى إدارة الحاضر كي لا يتحول الماضي إلى وقود لصراع جديد. نجاحها أو فشلها لن يُقاس بقرارات فردية، بل بقدرتها على منع العنف المجتمعي إلى أن تنضج مؤسسات العدالة، حيث يكون الحفاظ على الدولة والمجتمع شرطًا مسبقًا لأي عدالة حقيقية.
سياسي
لجنة السلم الأهلي في سوريا.. إدارة المخاطر في مرحلة ما بعد الصراع بين العدالة والاستقرار
1011

مقالات ذات صلة

ما هو الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل في واشنطن؟
يُعدّ الاتفاق الإطاري الذي وُقّع بين لبنان وإسرائيل في واشنطن برعاية أمريكية تطوراً دبلوماسياً بارزاً يهدف إلى وضع مسار تدريجي لإنهاء حالة الصراع الطويل بين الطرفين، وفتح الباب أمام تسوية سياسية وأمنية أوسع قد تقود في النهاية إلى اتفاق سلام دائم
5

أجواء صيفية في معظم سوريا وارتفاع جديد بدرجات الحرارة بدءاً من الأحد
تشهد سوريا، السبت 27 حزيران، طقساً حاراً نسبياً على أن يطرأ ارتفاع على درجات الحرارة بدءاً من يوم غدٍ الأحد ليتحول إلى حار مع منتصف ونهاية الأسبوع المقبل
35

إيران: ضربنا أهدافا مرتبطة بأمريكا ردا على هجمات
ذكر بيان صادر عن وزارة الخارجية الإيرانية أن طهران قصفت أهدافا مرتبطة بالقوات الأمريكية ردا على غارات جوية أمريكية على ساحلها الجنوبي، والتي اعتبرتها انتهاكا لميثاق الأمم المتحدة ومذكرة إنهاء الحرب بين البلدين
23

وزير الخارجية الإماراتي يهاتف عراقجي: حماية الممرات البحرية بما يشمل مضيق هرمز
قال وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد اليوم الجمعة خلال اتصال هاتفي مع نظيره الإيراني عباس عراقجي إن من الضروري الالتزام الكامل ببنود الاتفاق الأمريكي الإيراني وحماية الممرات البحرية، بما يشمل مضيق هرمز
37

إدارة ترامب تطلب من أوبن إيه.آي إصدار نموذجها الجديد على مراحل
ذكر موقع ذي إنفورميشن الإخباري، نقلا عن مذكرة وجهتها شركة (أوبن إيه.آي) إلى موظفيها، أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طلبت من الشركة إصدار نموذجها الجديد على مراحل بسبب مخاوف أمنية
28
