لشهر رمضان المبارك في سوريا نكهة خاصة تمتزج فيها روحانيات الشهر الفضيل بعبق التاريخ وعادات وتقاليد سورية متوارثة عبر الأجيال، ما يجعل منه ليس مجرد شهر للصيام والعبادة فحسب، بل تجربة روحية واجتماعية فريدة تعكس عمق الهوية السورية الأصيلة والعريقة.
نكهة العرقسوس والتمر الهندي والناعم
نكهة العرقسوس، والتمر هندي، حاضرة عند الباعة، وهي صورة مشهورة في رمضان، والناعم لحضوره في شوارع دمشق نكهة خاصة أيضا، فمن العادات المنتشرة في جميع أصقاع سوريا ولاتزال مستمرة حتى الآن المشروبات الرمضانية التي من بينها العرقسوس والتمر الهندي وقمر الدين والجلاب، ويبيعها التجار في كل مكان وسط إقبال من السوريين لشرائها بكثرة لتعويض السوائل التي فقدت خلال ساعات الصيام.
فوانيس رمضان
وقبل أيام من حلول الشهر المبارك، تبدأ جميع المحافظات السورية في ارتداء حلتها الرمضانية، حيث تتزين شوارعها وأزقتها بالفوانيس الملونة والزينات البراقة، وتتلألأ مساجدها الضاربة في التاريخ بالأنوار التي تنعكس على جدرانها العتيقة لتضفي على المكان أجواء روحانية تملأ القلوب بالخشوع والإيمان، كما تعج الأسواق بالحركية والنشاط، إذ يتوافد السوريون لشراء مستلزمات الشهر الكريم من الأطعمة والمشروبات والحلويات وتبادل التهاني والتبريكات بقدومه.
وتمتد جذور الطقوس الرمضانية في سوريا إلى العصور الإسلامية المبكرة، إذ بدأت تتشكل معالمها الواضحة منذ عهد نورالدين محمود الزنكي في القرن الرابع الهجري (العاشر ميلادي)، ثم تبلورت بشكل أكبر في العصر الأيوبي، وبلغت ذروتها في عصر المماليك خلال القرنين السابع والثامن الهجريين.
تكريزة رمضان
ومن العادات التي كانت شائعة وتراجعت في السنوات الماضية "التكريزة الرمضانية" التي كانت تقليدا شائعا بين العائلات السورية التي كانت تخرج في نزهة جماعية إلى أحضان الطبيعة قبل بداية الصيام كوداع للأيام العادية استعدادا للأجواء الرمضانية الروحانية، إلا أن هذه العادة تقلصت مؤخرا بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة، كما يقول مواطنين سوريون، لكنهم يؤكدون أنه رغم المصاعب الاقتصادية يبقى رمضان في سوريا شهرا يجمع بين العبادة والتكافل الاجتماعي، ويجب أن نتفائل بهذا الشهر الكريم، فرمضان كريم ورزق الله فيه وفير.
إطعام المحتاجين
وخلال الشهر الفضيل، الذي تضاعف الحسنات، يحرص السوريون على كثرة العطاء والزكاة، حيث يتفقدون الفقراء والمساكين ويقدمون لهم المساعدات المالية والعينية، ويقصدون الجمعيات الخيرية للتبرع بأموالهم، ويحرصون على إطعام الطعام للمحتاجين وتكثر الساحات التي يتجمع فيها الناس لتناول الطعام على موائد المحسنين، ومن أشهر هذه الساحات ساحة المسجد الأموي في قلب مدينة دمشق العريقة.
ويحرص السوريون خلال الشهر الفضيل على التواصل مع الجيران والأصدقاء وذوي الحاجات وعلى صلوات النوافل وعلى رأسها التراويح، وكذلك تجهيز وجبات الطعام المنزلية وتوزيعها على الجيران، فيما يعرف بسكبة رمضان.
سكبة رمضان.. والمسحراتي والحكواتي
ومهما اشتدت الضائقة الاقتصادية في سوريا إلا أن تقليد "السكبة” يبقى قائما بين الجيران والأقران لتعكس واحدة من أجمل العادات الرمضانية في البلاد، وفيها تقوم العائلات بتبادل أطباق الطعام مع الجيران والأقارب في مظهر تضامني وتكافلي فريد، فعلى الرغم من تأثرها بتغيرات المعيشة لاتزال هذه العادة قائمة خصوصا في الأرياف والأحياء الشعبية.
ومن التقاليد الرمضانية العريقة في دمشق التي لا تزال تحافظ على رونقها، "الحكواتي” و”المسحراتي"، الذي تجده ينادي بأصوات مميزة لإيقاظ النائمين بطبلته، ويعتبر من أبرز معالم رمضان في سوريا، حيث لا يزال يحظى بشعبية كبيرة بين الناس، وخاصة الأطفال.
وبعد الإفطار، يتوجه السوريون إلى المساجد لأداء صلاة التراويح في أجواء روحانية تملأ القلوب بالخشوع والإيمان، حيث تشهد المساجد في رمضان إقبالا كبيرا من المصلين الذين يتسابقون إلى أداء الصلاة والاستماع إلى تلاوة القرآن الكريم والدعاء والتضرع إلى الله عز وجل.
مجتمع
لرمضان في سوريا نكهة خاصة.. رائحة الشهر الفضيل العطرة تقترب من شوارع دمشق
1187

مقالات ذات صلة

ماكرون يصل إلى دمشق في زيارة غير مسبوقة
وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الاثنين إلى دمشق في زيارة غير مسبوقة، هي الأولى لرئيس دولة غربية كبرى إلى سوريا منذ تولي الرئيس أحمد الشرع الرئاسة أواخر عام 2024 بعد سقوط النظام السابق، بحسب وكالة فرانس برس
26

طقس سوريا.. الحرارة إلى انخفاض والجو سديمي في "الشرقية" والجزيرة
تميل درجات الحرارة للانخفاض قليلاً في أغلب المناطق في سوريا، لتصبح أدنى من معدلاتها بقليل، باستثناء المناطق الساحلية والشرقية والجزيرة، تبقى حول معدلاتها
60

دمشق تستقبل ماكرون... هل تفتح الزيارة صفحة شراكة أم تعيد رسم خرائط النفوذ؟
مع الزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، تبدو العاصمة السورية وكأنها تتحول إلى رقعة شطرنجٍ تتحرك فوقها المصالح قبل الدبلوماسية، حيث تتقاطع رهانات الاقتصاد والأمن والجغرافيا السياسية في لحظة إقليمية مفصلية من بغداد إلى بيروت
106

أجواء صيفية عادية والحرارة حول معدلاتها في أغلب مناطق سوريا
تبقى درجات الحرارة حول معدلاتها أو أعلى بقليل لمثل هذه الفترة من السنة في أغلب مناطق سوريا
141

كيف تؤثر سنوات اللجوء في القيم والعلاقات الأسرية عند العودة إلى البيئات الأصلية؟
لم تكن سنوات اللجوء والنزوح بالنسبة للسوريين مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، بل شكلت تجربة اجتماعية طويلة تركت آثارها على أنماط الحياة والعلاقات الأسرية والقيم اليومية
424
