تبدو زيارة القائد العام لـ "قوات سوريا الديمقراطية"، في الظاهر خرقاً للأعراف الدبلوماسية التي سمحت للدول الأوروبية باستقباله بشكل رسمي دون أن يكون له صفة حكومية سورية، لكن هذا الهامش الذي تركه عبدي لنفسه من عدم قبوله أو كبار معاونيه مثل إلهام أحمد أي منصب رسمي، سمح له بالتعامل مع الأطراف الدولية على إنه ما يزال قائد قوات ماتزال موجودة بفعل الأمر الواقع في شمال شرق سوريا وضمن مدينة "عين العرب/كوباني"، بريف حلب الشمالي الشرقي، وهو يرأس بشكل مباشر "الإدارة الذاتية"، التي ماتزال قائمة وتدير المناطق التي ماتزال تتواجد فيها دون صدور أي بيان من أي طرف يؤكد أنها انتهت.
وتبدو الملفات المعلنة لزيارة عبدي، ومرافقيه إلى كل من فرنسا وإيطاليا، ومن قبلها لقاء مبعوث الرئيس الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق توم باراك، في عاصمة إقليم كردستان قبل الزيارة بأيام، مقرونة بـ "بحث مسار اندماج قسد بالأجهزة الحكومية السورية"، لكن في الأساس يبدو أن عبدي يبحث عن ضمانات لاستمرارية الاتفاق بالصورة التي تريدها قسد وتحقيق أكبر مكاسب ممكنة قبل أن يصل الاندماج لنهاية مساره، وبالضرورة فإن عبدي يبحث عن تعديلات تميل لصالح قواته وبقائها كجهة تسيطر بفعل الأمر الواقع على أجزاء واسعة من محافظة الحسكة، والحفاظ على الصورة الذهنية التي تقول بأن قسد فرضت شروطها على طاولة التفاوض وحافظت على ما تسميه "مكتسبات"، بالاستفادة من كونها كانت حتى وقت قريب الشريك المحلي للتحالف الدولي في الحرب على تنظيم "داعش"، لكن ما الذي تعنيه الزيارة بالنسبة للأوروبيين؟
تحرك عبدي السياسي المقرون من قبل وسائل الإعلام المحسوبة على "قسد"، بأنه تحرك يمثل المكون الكردي في الأروقة السياسية، يقابل من قبل الأوروبيين في الغالب على إنه ورقة الضغط التي تلوح بها الدول الأوروبية في وجه الحكومة السورية في حال لم تستجب الأخيرة للمسارات السياسية التي يراد من خلالها إرساء قواعد الهدوء في الداخل السوري، كما إن الحكومة الفرنسية على وجه التحديد تعتبر الأمر على إنه منافسة لواشنطن في ملف حماية الكرد، وهو الملف الذي قد يُحرك من قبل أي طرف يريد شيئاً من دمشق، وبذلك يكون عبدي يبحث عن دور وظيفي جديد لصالح جهة دولية تضمن بقاء قسد على خارطة السياسة والاقتصاد في الداخل السوري، وضمن هذه الفوضى يكون من حق دمشق أن تبدي كامل التحفظ على المسار الذي يقامر به عبدي، محاولاً تعطيل الاندماج وتقديم الإدارة الذاتية من جديد على إنها شريك ناجح للدول الغربية، والسبب الأكيد هو خروج الحقول النفطية من تحت سيطرة قسد مقابل حصة 10% من عائدات حقول شمال الحسكة دون سواها، وهذه الحصة من المفترض أن تكون لجهة تنمية المناطق التي ستبقى فيها "قسد"، وليس لصالح الخزائن الخاصة بالمشروع العسكري والأمني الخاص بالقوى الكردية على غرار ما كان معمولاً به في مرحلة ما قبل الاتفاق مع دمشق.
وعلى الرغم من المرونة الكبيرة التي تبديها دمشق في ملف الاندماج مع قسد إلا أن الأخيرة ما تزال الدول المتدخلة في الملفات السورية تنظر إليها على أنها ورقة ضغط، وهذا يعني بالضرورة إن قسد لا تمتلك الخيارات الوطنية بالمعنى الدقيق، وإنما تحاول من خلال اللعب بورقة "الحقوق الكردية"، أن تعود لمشروع بناء حكم شبه مستقل في المنطقة الشمالية الشرقية من سوريا، لذا تدفع بتعطيل بعض المسارات في مشروع الاندماج مثل إصرارها على أن تبقى "وحدات حماية المرأة"، وهي التشكيل العسكري النسوي ضمن صفوف قسد ككتلة واحدة على أن يكون لها تبعية شكلية لوزارة الدفاع التي لم تقر إلى الآن الحكومة السورية وجود تشكيلات نسوية ضمن هيكليتها، إضافة إلى ملف المناهج التعليمية وملفات أمنية أخرى وعملية نقل السجناء من معتقلات "قسد" غير القانونية إلى السجون الرسمية التابعة للحكومة السورية، لكن يحسب لدمشق الهدوء الكامل في التعامل مع ملف الاندماج والمعوقات التي تفرضها "قسد" في طريقه مستفيدة من الدعم الخارجي لها والمستمر حتى الآن.
هكذا تكون زيارة عبدي إلى أوروبا قائمة على إعادة تسويق قواته مجدداً لتلعب دوراً سياسياً أو عسكرياً خارج الأطر الوطنية بما يخدم استمرارية وجود هذه القوات، وربما العودة إلى الانفراد بالسيطرة على المقدرات السورية الوطنية في شمال شرق سوريا وبالتالي محاولة الانفراد بعقود استثمار هذه المقدرات سواء النفطية منها أو الزراعية، والهدف في نهاية المطاف أن يحافظ مظلوم عبدي، والمقربين منه على مناصبهم غير الرسمية، ويزيد من المكتسبات السياسية والاقتصادية التي يسوق من خلالها نفسه أمام الشارع الكردي داخلياً.






