ثمّة مفارقة تستحق التأمّل في صناعة الدراما العربيّة؛ حيث أننا نشتكي من تكرار الحكايات، ثمّ نتساءل لماذا لا تعيش معظم المسلسلات أكثر من موسمٍ واحدٍ؛ وفي مكانٍ آخر نطالب بالتجديد، لكننا نعود ونتمسّك بالشخصيّات التي ألفناها مجدداً؛ وننتقد إطالة الأعمال الناجحة، ثمّ نعامل انتهاء مسلسل مميّز كما لو أنه خسارة لا ينبغي لها أن تحدث!
لكن السؤال الأهمّ ليس لماذا تنتهي المسلسلات العربيّة سريعاً، بل لماذا تنتهي بعض الشخصيّات معها؟ لماذا ننسى عالماً دراميّاً كاملاً بعد عرض الحلقة الأخيرة منه، بينما تظلّ شخصيّات أخرى حاضرة في الذاكرة لسنوات كثيرة، بل تتحوّل إلى علاماتٍ ثقافيّةٍ تتجاوز العمل الذي أنجبها؟
بالتأكيد لا يجوز تعميم الحكم على الدراما العربيّة كلّها، ولا توجد قاعدة تقول إنّ المسلسل الذي يقتصر على موسمٍ واحدٍ فاشل، أو إن تعدد المواسم دليل على النجاح. مع ذلك، فإنّ المقارنة بين تجارب عربيّة مختلفة تكشف مشكلة تتعلّق أحياناً بطريقة بناء الحكاية، وأحياناً أخرى بآليّات الإنتاج والتسويق، وفي حالاتٍ كثيرةٍ بغياب التصوّر الواضح لمستقبل الشخصيّات منذ البداية.
حين ينتهي المسلسل بانتهاء الحكاية
لنبدأ من تجربة «التغريبة الفلسطينية»، التي قدّمها الراحل المبدع حاتم علي العام 2004، وكتبها القدير وليد سيف.
لم يحتج هذا العمل إلى مواسم متعاقبة كي يرسّخ حضوره. فقد امتلك حكايةً تاريخيّةً واجتماعيّةً واضحةً، وشخصيّات تتحرّك داخل ملحمة كبرى، من الحياة الفلسطينيّة قبل النكبة إلى التهجير وتبدّل العلاقات والمصائر.
قوّة العمل لا تكمن في عدد حلقاته، بل في أن الحكاية كانت أكبر من مصير فردٍ واحدٍ من أبطاله. لقد امتلك عالماً متكاملاً، وشخصيّاتٍ تتشكل تحت ضغط التاريخ، وأسئلة تتجاوز زمن المشاهدة. لذلك لم يكن استمرار المسلسل لسنوات شرطاً لبقائه في الذاكرة.
إذاً ينبغي التمييز بين عمل ينتهي لأنه استوفى حكايته، وعمل يتوقّف لأن صنّاعه لم يجدوا ما يقولونه بعد انتهاء موسمه الأوّل.
الأوّل قد يكون مكتملاً فنّيّاً، والثاني قد يكون ضحيّة ضعف في التخطيط أو الكتابة أو التمويل أو ظروف السوق. أمّا وضع الحالتين في خانةٍ واحدةٍ، فيجعل عدد المواسم معياراً مضللاً للحكم على جودة الدراما.
وتؤكد تجربة مسلسل "الفصول الأربعة" هذا المعنى من زاويةٍ أخرى. فقد عاد المسلسل السوري، الذي كتبه دلع الرحبي وريم حنا وأخرجه حاتم علي، في موسمٍ ثانٍ العام 2002، مستنداً إلى عالم عائلي وشخصيّات وعلاقات تسمح بتوليد حكايات جديدة. لم يكن سرّ استمراره في اكتشاف جريمة جديدة أو اختراع عدو جديد في كلّ مرّة، بل في قدرة الحياة اليوميّة نفسها على إنتاج الصراع.
العائلة هنا لعبت دور إطارٍ للأحداث؛ لكنها أجادت دور المخزون الدرامي المفتوح على تغيّر الأجيال، واختلاف المصالح، والتبدّلات الاجتماعيّة والعاطفيّة. وهذا أحد أهمّ شروط استمرار المسلسل؛ أيّ أن يمتلك شخصيّات يمكنها التغيّر من دون إفقادها هويّتها، وعالماً يمكنه التجدد داخل الحكايات من دون افتعال.
"باب الحارة".. النجاح يتحوّل إلى عبء!
إذا أردنا مناقشة المسلسلات العربيّة التي تجاوزت الموسم الواحد، فمن الصعب تجاهل "باب الحارة"، الذي انطلق العام 2006 وامتدّ عبر مواسم متعددة، مع تغيّرات في طاقمه، وشخصيّاته، وفرق العمل التي تولّت أجزاءه.
حقق العمل انتشاراً جماهيرياً واسعاً، وأصبح جزءاً من المشهد الرمضاني العربي، لكن امتداده يطرح جعلنا نفكّر متى يكون تعدد المواسم توسّعاً في العالم الدرامي؟ ومتى يصبح استثماراً متكرراً في نجاحٍ سابق؟
ليس من الإنصاف اختزال تجربة "باب الحارة" كلّها في التكرار؛ فقد امتلك عناصر جذب واضحة، من البيئة البصريّة إلى الصراعات الاجتماعيّة والعائليّة، فضلاً عن الشخصيّات التي ارتبط بها الجمهور. لكن استمرار أيّ عمل إلى مواسم كثيرة يضعه أمام اختبار صعب، كيف يحافظ على عناصر هويّته، من دون إعادة إنتاج دائمة لنفس الصراعات؟
وقد جاء نجاح موسم سابق منه ليشكّل سبباً كافياً لإنتاج موسم جديد آخر، وأحياناً من دون توافر حكاية جديدة تستحق أن تُروى!
هذه ليست مشكلة عربيّة خالصة. فالتلفزيون العالمي يعرف بدوره أعمالاً استمرّت أكثر مما تحتمله أفكارها، وشخصيّات فقدت تدريجيّاً قوّة حضورها بسبب إطالة مساراتها. لكن الصناعة التي تريد الحفاظ على جمهورها تحتاج إلى التمييز بين امتلاك علامة تجاريّة ناجحة وامتلاك مادّة دراميّة متجددة.
إذاً ليس التحدّي إبقاء المسلسل حيّاً إلى أطول مدّة ممكنة، بل أن نمنعه من الانجراف نحو نسخة باهتة من نفسه.
"الهيبة" و"المداح".. كيف تصبح الشخصيّة مشروعاً متعدد المواسم؟
تقدّم تجربتا "الهيبة" و"المداح" نموذجاً مختلفاً؛ إذ استطاع كلّ منهما بناء حضور ممتد، مستفيداً من شخصيّة مركزيّة واضحة، وعالم درامي قابل لتوليد صراعات جديدة.
في مسلسل "الهيبة"، الذي انطلق العام 2017، شكّل جبل شيخ الجبل، الذي أدّاه تيم حسن، مركز الثقل الأساسي. لم تكن جاذبية المسلسل مرتبطة بالأحداث وحدها، بل بشخصيّة تجمع بين السلطة والعنف والولاء العائلي والقدرة على فرض النفوذ. كما ساعد العالم الحدودي والاجتماعي الذي تدور فيه الحكاية على إنتاج صراعات تتجاوز المشكلة الواحدة.
لكن هذا النوع من البناء يواجه خطراً معروفاً، حيث تصبح الشخصيّة أسيرة صورتها الناجحة. فإذا كان كلّ موسم اختبار جديد لقوّة البطل، وتكررت المواجهات مع خصوم جدد من دون تطوّر حقيقي في بناء الشخصيّة، فقد يستمر الاسم التجاري بينما تتراجع الضرورة الفنّيّة.
أمّا مسلسل "المداح"، الذي بدأ العام 2021، فيعتمد على حمادة هلال في شخصيّة صابر المدّاح، ويمزج الدراما الشعبيّة بعناصر الغموض والخوارق والصراع الروحي. وقد أتاح هذا المزيج فتح مسارات متعاقبة للحكاية، مع الاحتفاظ بشخصيّة محوريّة يعرفها الجمهور.
هنا تظهر إحدى أهمّ مزايا المسلسل متعدد المواسم، ونعني امتلاك فكرة تسمح بتوليد صراعات جديدة، لا محاولات تمديد الصراع الأوّل. لكن قابليّة الفكرة للاستمرار لا تعني أن الاستمرار ينجح تلقائيّاً؛ فكلّ موسم يحتاج إلى تصعيد ذي معنى، وإلى قواعد واضحة للعالم الدرامي، وإلى تطوّر لا يجعل الشخصيّات تدور بملل في الحلقة نفسها.
والنتيجة هي كيف نمنح الجمهور ما ينتظره، من دون تقديم الشيء نفسه في كلّ مرّة؟
لماذا لا تُساق كلّ الشخصيّات الناجحة إلى عوالم مستمرّة؟
قد يحقق مسلسل واحد انتشاراً كبيراً، وتصبح إحدى شخصيّاته حديث الجمهور، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الشخصيّة تستطيع حمل موسمٍ ثانٍ. والسبب أن النجاح اللحظي لا يساوي دائماً امتلاك مادّة دراميّة طويلة الأمد.
قد تقوم جاذبيّة الشخصيّة على سرّ واحد ينكشف في نهاية الموسم، أو على علاقة عاطفيّة تنتهي، أو على تحوّل استثنائي لا يمكن تكراره من دون أن يفقد تأثيره. وفي هذه الحالات، يصبح الإصرار على الاستمرار تهديداً لما منح العمل قوّته في البداية.
على الجانب الآخر، توجد شخصيّات تمتلك تناقضات داخليّة تسمح بمساراتٍ متعددةٍ. فالشخصيّة الجيّدة لا تعتمد على مجموعة صفات ثابتة وكفى؛ إنها شبكة من الرغبات والمخاوف والمصالح والعلاقات، ويمكنها إنتاج صراعات جديدة كلّما تغيّرت ظروفها.
لكن هذا لا يكفي وحده. لا بدّ من وجود عالم يضغط على الشخصيّة ويجبرها على الاختيار، وشخصيّات أخرى مستقلّة عنها، لا تقتصر وظيفتها على خدمتها أو صناعة العقبات أمامها.
حين يكون البطل وحده مصدر الحياة في المسلسل، يصبح العمل معرّضاً للانهيار إذا استنفد الكاتب ملامحه. أمّا حين يمتلك العمل عالماً متكاملاً، فيمكنه تجديد نفسه حتّى مع تغيّر مراكز الثقل بين شخصيّاته.
وهذا أحد الفروق بين مسلسل يملك حبكة مثيرة، ومسلسل يمتلك بنية دراميّة قابلة للاستمرار.
هل المشكلة في الكتابة أم في اقتصاد الإنتاج؟
لا يمكن تفسير قصر عمر كثير من المسلسلات العربيّة بعاملٍ واحدٍ. فالكتابة ليست منفصلة عن شروط الصناعة، كما أن قرار إنتاج موسم جديد لا تحكمه القيمة الفنّيّة وحدها.
قد يتوقف عمل ناجح لأن تكلفة الإنتاج مرتفعة، أو لأنّ جهة العرض لا ترغب في تجديده، أو لأنّ الممثّلين والكتّاب والمخرجين انتقلوا إلى مشاريع أخرى، أو لأنّ سوق التوزيع لم يعد يضمن عائداً مناسباً. وقد يُمدد عمل آخر لأن اسمه معروف ويجذب المعلنين أو المشتركين، حتّى عندما تكون قدرته الفنّيّة على التجدد موضع شكّ.
لن ننسى أيضاً بأن المنصات الرقمية زادت تعقيد هذه المعادلة. فهي تتيح أشكالاً متنوّعة من السرد، وتفتح المجال أمام مواسم قصيرة وأعمال محدودة الحلقات، لكنها تجعل قرار التجديد مرتبطاً أيضاً بأداء العمل داخل سوق تنافسيّة شديدة.
هل نحتاج إلى موسم ثانٍ، أم إلى كتابة أفضل؟
السؤال الجدير بالاهتمام هو ما الذي سيضيفه هذا الموسم إلى الشخصيّات والحكاية والعالم الذي بنيناه؟
في "الفصول الأربعة"، تكمن قابليّة الاستمرار في العلاقات الإنسانيّة المتجددة. وفي "الهيبة"، يظهر التحدّي في تطوير الشخصيّة المركزيّة من دون الوقوع في تكرار المواجهات. أمّا "باب الحارة"، فيطرح سؤال العلاقة بين نجاح العلامة التجاريّة والقدرة على تجديد المادّة الدراميّة. وتقدّم "التغريبة الفلسطينية" تذكيراً بأنّ العمل لا يحتاج إلى مواسم عديدة كي يمتلك حياة طويلة في الذاكرة.
لا تقدّم هذه الأمثلة وصفة واحدة للنجاح؛ لكنّها توضح أن عمر المسلسل على الشاشة لا يطابق بالضرورة عمره في ذاكرة الجمهور.
قد ينتهي عمل بعد موسم واحد ويظلّ حاضراً لعقود، وقد يستمر آخر سنوات ثمّ يتراجع حضوره فور توقف عرضه.
وبين الحالتين، هناك أعمال تنجح في دفع شخصيّاتها إلى عوالم قابلة للتطوّر، من دون التضحية بتماسكها الفنّي.
المطلوب من الصناعة العربيّة ليس إنتاج مواسم أكثر وتقليد التجارب العالميّة، ولا إنهاء الأعمال مبكراً باعتبار ذلك دليلاً على الجودة. المطلوب أن يُحدَّد عمر الحكاية وفق إمكاناتها، وكتابة الشخصيّات بوصفها كائنات دراميّة مرنة، لا أدوات تُستنزف حتّى آخر قطرة من شعبيّتها.
فالمسلسل الجيّد لا يُقاس بعدد مواسمه، بل بقدرته على جعل كلّ موسم ضرورة فنّيّة، لا فرصة جديدة للبيع وكفى.






