قدّمت فرقة "جيان" المسرحية، بدعوة من مديرية الثقافة في الحسكة، عرضها المسرحي "الذي لا يأتي" على خشبة مسرح المركز الثقافي العربي في الحسكة، في تجربة مسرحية تطرح أسئلة الإنسان عن مصيره واغترابه الروحي وعلاقته بالآخر، في ظل الأزمات والحروب والنكبات.
ويستند العرض إلى نص للكاتب المسرحي السوري الدكتور رياض عصمت، فيما تولّى إخراجه جابر حبيب، الذي سعى إلى تقديم قراءة معاصرة للنص وإسقاط دلالاته على الواقع السوري الراهن، بما يحمله من تهجير ومعاناة وانكسارات إنسانية واجتماعية.
صراع اليقين والهزيمة
وفي تصريح خاص لـ Syria One، أوضح المخرج جابر حبيب أن النص الذي اعتمد عليه العرض مقتطف من نص للدكتور رياض عصمت، المستوحى من مسرحية «في انتظار غودو» للكاتب الإيرلندي صموئيل بيكيت، مشيراً إلى أنه حاول إسقاط ما كتبه المؤلف على الواقع السوري الحالي، والاقتراب من روح المجتمع السوري وما عاشه من تحولات ومعاناة.
وأضاف حبيب أن العرض ينتمي إلى المسرح العبثي، وأن مقاربته الإخراجية ركّزت على تقريب دلالات النص من واقع السوريين، وما يواجهه الإنسان من فقدان الأمان والتهجير والانتظار المفتوح على المجهول.
ويقوم العرض على شخصيتين أساسيتين، تتباين رؤيتهما للحياة والمستقبل؛ إحداهما تبدو وكأنها تعرف الحقائق وما يمكن أن تحمله الأيام من حروب وفظائع ونكبات، لكنها تتعامل مع ذلك بلامبالاة وفقدان للأمل، فيما تبدو الشخصية الثانية مهزومة ومضطربة، تحاول البحث عن مستقبل أكثر أماناً، وتتشبث بإمكانية أن يحمل الغد ما هو أفضل.
ويتحول هذا التباين إلى صراع يتجاوز حدود الاختلاف في التفكير، ليصل إلى العجز عن تقبّل الآخر وفهم مخاوفه. فالشخصية التي فقدت الأمل ترى في الطرف الآخر مصدر تهديد واضطهاد، بينما يبحث الآخر عن حقيقة تمنحه شيئاً من الطمأنينة، في علاقة تتصاعد فيها التوترات حتى تبلغ ذروتها بقتل أحدهما الآخر، قبل أن يستيقظ الندم لدى القاتل.
حين يصبح الآخر مصدر خوف
لا يقتصر الصراع في "الذي لا يأتي" على اختلاف وجهات النظر بين الشخصيتين، بل يتصل بحالة أعمق من الاغتراب الروحي، يعيش فيها الإنسان اضطراباً في علاقته بذاته وبالعالم المحيط به، ويفقد القدرة على إيجاد مساحة مشتركة مع الآخر.
وتبدو الشخصيتان، رغم وجودهما في مكان واحد، وكأنهما تعيشان في عالمين منفصلين؛ فإحداهما استسلمت لفكرة أن المستقبل لن يحمل جديداً، فيما لا تزال الأخرى تبحث عن إجابة تمنحها بعض الطمأنينة. وبين هذا اليأس وتلك الرغبة في النجاة، تتسع المسافة النفسية، ويتحول الحوار إلى مواجهة.
ويطرح العمل، من خلال هذه العلاقة، قضية إنسانية تتكرر في المجتمعات المختلفة، حين يصبح الاختلاف سبباً للعداء بدلاً من أن يكون مدخلاً للفهم والتفاهم. فالإنسان الذي يعجز عن احتمال أفكار الآخر قد ينظر إليه باعتباره تهديداً، حتى عندما يكون كلاهما أسير الخوف والقلق نفسيهما.
وتتجلى المأساة في النهاية عندما يلجأ أحد الطرفين إلى قتل الآخر، مدفوعاً بعجزه عن احتمال التناقض بينهما، قبل أن يكتشف متأخراً فداحة ما ارتكبه. وهنا تتجاوز النهاية حدود الحكاية المسرحية لتطرح سؤالاً حول ردود الفعل التي قد تصدر عن الإنسان تحت وطأة الخوف والضغط، عندما يفقد القدرة على فهم الآخر أو استيعاب اختلافه.
الأمل الشخصية الغائبة الحاضرة
بدوره يقول ممثل الشخصية الثانية عبدالمجيد خلف: "يتعامل مخرج العمل في رؤيته الإخراجية مع الأمل بوصفه شخصية ثالثة غير مرئية في العرض، لكنها حاضرة في صلب الصراع بين الشخصيتين.
فالشخصية الأولى فقدت إيمانها بالمستقبل إلى درجة أنها لم تعد تنتظر حتى شروق الشمس في اليوم التالي، بينما تتمسك الشخصية الثانية التي أمثلها أنا بفكرة الغد، وتواصل البحث عن الأمان رغم ما يحيط بها من مخاوف واضطرابات.
ومن هذا التناقض ينشأ الصراع، إذ ترى الشخصية فاقدة الأمل أن إصرار الطرف الآخر على التطلع إلى المستقبل نوع من التحدي أو الاضطهاد، فيتصاعد التوتر إلى نهايته المأساوية.
ويمنح هذا الحضور الرمزي للأمل، رغم غيابه عن الخشبة بوصفه شخصية مجسّدة، العرض مساحة للتأويل، ويجعل الانتظار سؤالاً مفتوحاً حول قدرة الإنسان على الاستمرار، ومدى حاجته إلى الإيمان بإمكانية التغيير، حتى عندما تبدو الوقائع من حوله قاتمة.
فالأمل هنا ليس مجرد شعور داخلي، بل قوة تؤثر في علاقة الإنسان بالآخر وبالمستقبل. وعندما يفقد أحد الطرفين ثقته بإمكانية التغيير، يصبح من الصعب عليه فهم تمسك الطرف الآخر بهذه الإمكانية، فتتحول الرغبة في النجاة إلى مصدر جديد للصراع.
الممثلان والفضاء المسرحي
هذا وقد شارك عبدالمجيد خلف، مدير الثقافة في الحسكة، في التمثيل إلى جانب جابر حبيب، الذي تولّى الإخراج والتمثيل أيضاً، حيث قال عن العمل إنها تجربة يقوم جانب أساسي من بنائها على العلاقة بين الشخصيتين وما تشهده من تحولات نفسية وتوترات متصاعدة.
ويضع هذا التكوين الثنائي العبء الأساسي على أداء الممثلين، وعلى قدرتهما على إظهار التباين بين فقدان الأمل والبحث عن الأمان، وصولاً إلى لحظة الانفجار ثم الندم. ويصبح الجسد والصوت والحركة أدوات أساسية في نقل الصراع الداخلي إلى الخشبة.
نحو مسابقة الهيئة العربية للمسرح 2027
وفي سياق متصل، كشف عبدالمجيد خلف، مدير الثقافة في الحسكة ، أن فريق العمل يعتزم التقدّم بمسرحية "الذي لا يأتي" للمشاركة في مسابقة اختيار الأعمال المسرحية التي تنظمها الهيئة العربية للمسرح لعام 2027.
وتأتي هذه الخطوة في إطار تطلّع فريق العمل إلى نقل التجربة المسرحية من الحسكة إلى فضاء عربي أوسع، وإتاحة الفرصة أمامها للوصول إلى جمهور جديد، بما تحمله من رؤى فنية وإنسانية تتناول الاغتراب الروحي وفقدان الأمل وصراع الإنسان في مواجهة الأزمات.
وتمنح المشاركة المرتقبة الفريق فرصة لتقديم تجربته أمام لجان الاختيار والجمهور المسرحي العربي، مع بقاء قبول العمل خاضعاً للشروط والإجراءات المعتمدة لدى الهيئة العربية للمسرح.
من المسرح العبثي إلى الواقع السوري
يستمد العرض جزءاً من دلالاته من تقاليد المسرح العبثي، الذي يضع الإنسان في مواجهة عالم مضطرب، تتراجع فيه الإجابات الواضحة، وتتداخل مشاعر الخوف والانتظار والقلق من المستقبل.
وتستدعي الإشارة إلى مسرحية "في انتظار غودو" لصموئيل بيكيت أفقاً مسرحياً يقوم على الانتظار وتعليق الفعل والبحث عن معنى في واقع ملتبس. لكن الاستلهام لا يعني التطابق بين العملين؛ إذ ينبغي النظر إلى "الذي لا يأتي" بوصفه معالجة مسرحية لها خصوصيتها، وفق ما اختاره فريق العرض من شخصيات ودلالات ونهاية درامية.
وفي هذا السياق، لا يصبح السؤال مقتصراً على هوية الشيء المنتظَر أو سبب تأخره، بل يمتد إلى طبيعة الانتظار نفسه: هل يمنح الإنسان سبباً للاستمرار، أم يتحول مع الزمن إلى عبء يستنزف قدرته على الفعل؟
وتكتسب هذه الأسئلة أبعاداً إضافية عند إسقاطها على الواقع السوري، الذي شهد سنوات طويلة من الحرب والتهجير وفقدان الاستقرار، وترك آثاراً عميقة في حياة الأفراد وعلاقاتهم الاجتماعية والإنسانية.
ومن خلال رؤيته الإخراجية، حاول جابر حبيب نقل الصراع من فضائه الفكري إلى واقع أقرب إلى التجربة السورية، حيث يجد الإنسان نفسه مضطراً إلى البحث عن الأمان والمعنى، وسط ظروف لا يستطيع التحكم في مساراتها.
ولا تقف "الذي لا يأتي" عند حدود انتظار حدث أو شخص قد يغيّر مجرى الحياة، بل يفتح باب التأمل في الإنسان الذي ينتظر مستقبلاً أفضل، وفي آخر فقد ثقته بإمكانية الوصول إليه، وفي المسافة التي قد تتسع بينهما حتى تتحول إلى مأساة.
القتل والندم.. حين يأتي الإدراك متأخراً
تمثل لحظة قتل إحدى الشخصيتين نقطة التحول المأساوية في العرض. فالعنف هنا ليس نهاية صراع خارجي فحسب، بل يكشف أيضاً انهيار قدرة الشخصية على احتمال التناقض والعيش مع الاختلاف.
وحين يأتي الندم بعد القتل، يصبح الإدراك متأخراً عن الفعل. فالقرار الذي اتُّخذ في لحظة الانفعال لا يمكن التراجع عن نتائجه، حتى لو استعاد صاحبه وعيه بما ارتكبه.
وتفتح هذه النهاية باباً لقراءة العلاقة بين المسؤولية والخوف. فالشخصية التي تعجز عن احتمال الآخر تكتشف أن التخلص منه لم ينهِ أزمتها، بل أضاف إليها مأساة جديدة. لقد أسكتت الصوت الذي كان يثير قلقها، لكنها لم تتمكن بذلك من إسكات خوفها أو استعادة الأمان الذي كانت تبحث عنه.
وتتجاوز الدلالة هنا الفعل الفردي إلى سؤال أشمل: ماذا يحدث حين يصبح الاختلاف غير قابل للاحتمال؟ وماذا يبقى من الإنسان عندما يتعامل مع الآخر باعتباره مشكلة ينبغي إزالتها، لا كائناً يمكن فهمه ومواجهته بالحوار؟
إن الندم، في هذه القراءة، لا يمحو الجريمة، لكنه يكشف لحظة انكشاف داخلي يدرك فيها الإنسان أن العنف لم يكن طريقاً إلى الخلاص.
فريق العمل
- الفرقة المسرحية: جيان.
- النص: الدكتور رياض عصمت.
- الإخراج: جابر حبيب.
- التمثيل: عبدالمجيد خلف وجابر حبيب.
- الإضاءة: جوان سلو.
- الصوت: مالك الفواز.







