في قلب حي التضامن بالعاصمة السورية دمشق، وتحديداً قرب شارع دعبول، تم اكتشاف مقبرة جماعية تحتوي على رفات بشرية، تشكل شهادة صامتة على سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي على جنوب العاصمة بين عامي 2013 و2018.
المقبرة المكتشفة وجد فيها بدلات عسكرية بين الرفات، مما يشير إلى أن بعض الضحايا كانوا من العسكريين التابعين للنظام السوري، إلى جانب المدنيين الذين عارضوا التنظيم.
ووفق شهادات الأهالي، كان التنظيم يستخدم هذه المقابر لإخفاء عمليات الإعدام والاشتباكات المسلحة التي شهدها الحي، الأمر الذي يكشف أسلوب التنظيم في إدارة عمليات القتل والدفن بطريقة سرية ومنظمة، هذه المقبرة ليست مجرد مكان دفن، بل وثيقة على أساليب تنظيم الدولة في فرض السيطرة وإدارة الموت داخل الأحياء، حيث دفن ضحاياه بعيدًا عن أعين السلطات المحلية وأهالي الحي.
تُظهر المقبرة حجم العنف الذي مارسه التنظيم بحق الضحايا المدنيين والعسكريين، مما يعكس عمق تأثير تنظيم الدولة على النسيج الاجتماعي والأمني في جنوب دمشق.
سيطرة تنظيم "الدولة" على جنوب دمشق
بدأت سيطرة تنظيم الدولة على جنوب دمشق تدريجيًا منذ عام 2013، لكنها أصبحت أكثر وضوحًا وامتدادًا بين عامي 2015 و2018، حيث استغل التنظيم الفوضى الأمنية والحرب المستمرة في العاصمة، وتوجه قوات النظام إلى جبهات أخرى مثل الغوطة الشرقية وريف دمشق، مما فتح المجال للتنظيم لتثبيت أقدامه في جنوب العاصمة.
سيطر التنظيم على مناطق واسعة من مخيم اليرموك الفلسطيني وأحياء الحجر الأسود والتضامن والقدم، وبنى شبكة مراقبة وحواجز تفرض سيطرته المطلقة على السكان، لم يقتصر نفوذ تنظيم الدولة على الحدود المادية للأحياء، بل امتد إلى التحكم في الحياة اليومية، وفرض القواعد والتعليمات، ومراقبة حركة السكان، مما خلق مناخ خوف دائم داخل المجتمع المحلي.
كانت السيطرة التنظيمية قائمة على مزيج من التهديد والعقاب والرقابة المكثفة، حيث أصبح أي مخالفة لقواعد التنظيم أو أي معارضة مسلحة سببًا للإعدام أو الاعتقال، وهذا السياق يفسر طبيعة المقابر الجماعية وأسباب إخفاء التنظيم لضحاياه بعيدًا عن أعين المجتمع والمراقبة.
المقبرة الجماعية وتوثيق الانتهاكات
المقبرة المكتشفة في حي التضامن تكشف عن أسلوب تنظيم الدولة في إدارة عمليات القتل والدفن بطريقة سرية ومنظمة، وفق شهادات الأهالي، كان التنظيم يستخدم هذه المقابر لإخفاء عمليات الإعدام والاشتباكات المسلحة التي شهدها الحي، كما يظهر من وجود بدلات عسكرية بين الرفات، مما يشير إلى أن بعض الضحايا كانوا من العسكريين التابعين للنظام السوري، إلى جانب المدنيين.
هذا الاختلاط بين المدنيين والعسكريين يعكس تعقيد المشهد الأمني والاجتماعي خلال فترة سيطرة التنظيم، ويؤكد أن تنظيم الدولة استهدف كل من وقف أمامه بغض النظر عن هويته، فالمقبرة تمثل تأكيداً إضافياً على طبيعة الإرهاب المنظم الذي مارسه التنظيم داخل الأحياء المكتظة بالسكان.
استجابة السلطات وجهود التوثيق والتحقيق الجنائي
باشرت فرق الدفاع المدني بالتعاون مع قوى الأمن الداخلي أعمال تحديد مواقع الرفات وفرض طوق أمني حول المقبرة لضمان السلامة العامة، كما بدأت إجراءات التوثيق والتحليل الجنائي بهدف دراسة حجم الانتهاكات وتحديد هوية الضحايا وربطها بسياق العمليات المسلحة التي نفذها التنظيم.
تتيح هذه التحقيقات بناء سجل رسمي يمكن استخدامه في محاسبة المسؤولين عن هذه الفظائع لاحقًا، كما توفر البيانات اللازمة لفهم تأثير سيطرة التنظيم على النسيج المدني والاجتماعي للحي، كما أن توثيق المقبرة وتحليلها يساهم أيضاً في إعادة رسم التاريخ الواقعي لأحياء جنوب دمشق خلال السنوات الخمس التي شهدت هيمنة تنظيم الدولة الإسلامية.
أثر سيطرة تنظيم "الدولة"
تكشف هذه المقبرة عن استخدام التنظيم أساليب وإدارة عمليات القتل والدفن، وهذا النوع من السيطرة يترك آثارًا نفسية واجتماعية طويلة المدى على السكان المحليين، ويؤثر على العلاقات المجتمعية والثقة بين الأهالي والحكومة.
تشكل المقبرة أيضًا دليلاً للباحثين لتوثيق تاريخ حي التضامن خلال فترة سيطرة التنظيم، وتحليل تأثير الإرهاب المنظم على النسيج المدني، كما تؤكد أهمية التوثيق الميداني للانتهاكات لضمان عدم ضياع الأدلة التاريخية والمساهمة في العدالة الانتقالية لاحقًا.
باختصار، مقبرة حي التضامن ليست مجرد حادث أمني، بل نافذة على سنوات من الإرهاب المنظم للتنظيم في قلب العاصمة، وشاهد حي على كيفية إدارة التنظيم للسيطرة والخوف والموت، وهي وثيقة تاريخية لفهم أحداث دمشق خلال تلك الفترة.






