فن

مطبخ المدينة.. علي وجيه يؤنسن شخصياته حد المواجهة

22
مطبخ المدينة.. علي وجيه يؤنسن شخصياته حد المواجهة

محمود عبد اللطيف


ربما يمكن اعتبار العمل الوحيد الذي تنطبق عليه مواصفات العمل الجريء وفقاً للمعنى المباشر لهذه الكلمة، كان نص «علي وجيه» لمسلسل «مطبخ المدينة» الذي أخذ فيه على عاتقه مواجهة مباشرة مع المجتمع في العديد من القضايا التي جعل عالم المتسولين قاعدة لها، مستخدماً عدداً من المفردات التي تفضي إلى توسع هذا العالم من بينها الضيق، ليس بالمعنى المحصور للكلمة في ضيق الحال، وإنما هو ضيق الحياة، الذي يبدأ من ضيق المكان الذي أفضى إلى قلة وضيق الخيارات التي تعيشها بطلة العمل «نورة» التي جسدتها «أمل عرفة»، لتقبل بالزواج من «دياب - الكف / فادي صبيح» على أن تجد مساحة أوسع تمكنها من توسيع خياراتها في الحياة لأنها كشخصية ظلت محاصرة بالضيق فلن تجد أمامها إلا خياراً وحيداً وهو إخفاء ابنها عن والده كي لا يكون متسولاً آخر، وبعد وفاة وحيدها «عمران» لم يعد أمامها إلا خياراً واحداً وهو الانتقام، لكنها بشكل مفاجئ ونتيجة لعثورها على الكنز الذي دفنه «دياب» مع ساقيه المبتورتين تمكنت من امتلاك أدواتها لتبدأ بخلق عالم جديد لها ولمن هم في محيطها، محاولة إنهاء حياتهم القديمة وجعلها أكثر راحة.


​لا يمكن المرور أيضاً على أسماء أبناء «طلحة الجمل» دون الوقوف عند مرجعية كل اسم وما حملته من صفات ليكون مثلاً اسم «شجاع / مكسيم خليل» مباشراً في طرح الشخصية التي لا تمتلك ما يردعها عن تنفيذ ما تريده خالقة قوانينها الخاصة التي تختلف حسب الموقف، وحين الوقوف عند اسم «عبد الكبير /عبد المنعم عمايري» نرى هذه الشخصية قد تحولت إلى عبد لجملة من المعطيات المحيطة بها فهو الابن الأكبر الذي يحاول أن ينتزع هذه المكانة المحروم منها نتيجة خطأ لم يقصد ارتكابه يتمثل بضياع أخته، وأيضاً هو عبد للحلم ببيت مستقل وكبير له ولزوجته، وعبد لهمِّ اتخاذ مكانة مجتمعية ومالية تمكنه من أن يكون بين الكبار، وعبد للحلم بثروة كبيرة قد تأتي ولو من ضربة الحظ المتمثلة بـ «ورقة يانصيب»


ومع وجود علة نفسية واضحة، يبدو «عمايري» كما عهده الجمهور ممثلا من طراز رفيع. لكن «رضا / ملهم بشر» الابن الأصغر حمل صفاتاً تعاكس اسمه فلم يكن راضياً أبداً بالواقع السياسي ولا يرضى بقواعد الخوف التي فرضها النظام، ولم يرضَ بالتخلي عن ذاته التي ظلت طموحة حتى آخر لحظة فانخرط في جزء من فريق لـ «الاستاند أب كوميدي» في محاولة للتعبير عن ذاته في مساحة من الحرية التي وإن كانت ضيقة ومحصورة بمساحة «البار» إلا أنها كانت مساحة مرضية لـ «رضا». ​


بالنظر إلى الشخصية «طلحة الجمل» التي تحاول أن توازن بين دور الأب ومدير العمل يبدو أن «عباس النوري» لم يحتج إلى الكثير من الأدوات التمثيلية ليقنع المتلقي بأن هذا الأب المحاصر بالكثير من الخوف على أبنائه والكثير من الحزن على فقدان ابنته «ريما» والكثير من المخاوف المهنية وعدم الاستقرار ما يزال يملك رغم كبر سنه الكثير من الأمل الذي لا بد أن يحافظ عليه ليبقى حياً، ووصل إلى مرحلة يقتنع بأن «ريما» التي أعادوها إليه حتى وإن لم تكن ذات «ريما» التي يبحث عنها طوال 12 عاماً مضت إلا أنها تبقى عامل الأمان الذي يجب أن يحافظ عليه ليستمر بالحياة من أجلها ومن أجل أسرته. ​


يُحسب لـ «علي وجيه» جرأته على كتابة مشاهد توحي بحدوث فعل جنسي، ويُحسب له أيضاً التجريب في كتابة مشاهد الرعب التي ظهرت من خلال مجموع المشاهد التي يعيشها «عبد الكبير» في حالات الذهان والكوابيس التي تلاحقه منذ جريمة القتل الأولى، كما أن الكاتب تمكن هذه المرة من أن يجعل من جرائم القتل غير مكتملة وتُكتشف ولا يمكن أن تمر بأنها حدثت وكفى من خلال خلق مبررات لعدم اكتشاف هذه الجرائم أو خلق مبررات لعدم محاسبة الفاعل على هذه الجريمة أو تلك، لكن الجرأة الكبرى تظهر خلال الظهور الأخير لشخصية «عبد الكبير» بعد خروجه من السجن بعدة أشهر ضمن أحد لقاءات صناع المحتوى الناشطين في الداخل السوري بعد سقوط نظام «بشار الأسد» ليقدم «عبد الكبير» نفسه على أنه البطل الوطني الذي خلص السوريين من عدة مجرمين بحق الشعب السوري فيزعم بأنه قتل من قتلهم انطلاقاً من دافع ثوري ودافع وطني.


هكذا يذهب «علي وجيه» في جرأة كبيرة لدق باب مفهوم الجريمة المرتكبة بحق الشعب السوري وكيف يمكن للبعض بأن يحول جرائمه لفعل بطولي وثوري يجبُّ ماضيه الأسود، ويزاوج الأمر مع شخصية «الأستاذ منذر» التي لعبها «نوار بلبل» الذي حول نفسه من مجرم حرب ارتكب كل الأفعال القذرة الممكنة تحت مظلة النظام وتحديداً «الدفاع الوطني» ليقدم نفسه على أنه الشخص الذي يسلم مجرمي الحرب ومرتكبي الانتهاكات من عناصر النظام للسلطات السورية الجديدة، وفي هذا إسقاط على شخصيات عدة عايشها السوريون. ​


إن كانت السياسة تفسد الفن بالمعنى الحقيقي لكلمة إفساد، فإن «علي وجيه» عاكس المفهوم وجعل من السياسة أداة فنية ومن الفن أداة تعبير سياسي عما يجول في خاطره عن مرحلة الأيام والأشهر الأولى لسقوط النظام، وامتلك الجرأة ليعبر عن مخاوف شريحة كبيرة من السوريين عبر لسان «رضا» الذي لم يكن راضياً أيضاً عما حدث بعد سقوط النظام برغم أن هذا السقوط يشكل أكبر أحلام «رضا» نيابة عن الشباب السوري كله. ​


الانتحار واتخاذ قرار الموت وحيداً ظهر في عدة أشكال ضمن هذا المسلسل، الأول من خلال شخصية «مايا /ندى حمزة» التي حاصرتها الظروف والعلل النفسية التي تعيش فيها وصولاً إلى لحظتها الأخيرة التي قررت من خلالها إنهاء حياتها بعد سلسلة فاشلة من محاولات الانتحار، ويبدو انتحار «فرزات» التي لعبها أكثر الممثلين السوريين تنوعاً في شخصياته «محمد حداقي» باقتدار كبير وإقناع منقطع النظير ليصل إلى مرحلة الانتحار كمحصلة لجملة الأحداث التي عايشها ضمن حياته من مرض وخيانة زوجته واعتباره الشخص التابع لأخيه «جبار / باسل حيدر» وعدم قبوله من الآخرين وفشله المتكرر في تحقيق ذاته، حتى وإن كان المتلقي يختلف مع هذه الذات التي يريدها إلا أن «فرزات» كان شجاعاً بما يكفي لاتخاذ قرار الهروب نحو الموت. ​


الأمر نفسه ينطبق على شخصية «ليال / زينة بارافي» التي اتخذت قراراً في مرحلة ما بالموت وحيدة مع مرضها على أن لا تحمّل زوجها وأخيها ضريبة وجودهما في حياتها مع مرض قد يبدو نادراً، وهذا في حد ذاته يعتبر من خيارات الانتحار غير المباشرة إلا أن الكاتب خلق مبرراً مقنعاً لعودة زوجها لحياتها.


​ما قد يؤخذ على «علي وجيه» ككاتب هو استناده في النصوص الأخيرة التي كتبها بالشراكة مع «يامن الحجلي» مثل مسلسلي «صفيح ساخن / ٢٠٢١» الذي استند إلى بيئة نابشي القمامة، ومسلسل «ولاد بديعة /٢٠٢٤» الذي استند إلى بيئة الدباغات، هو القيد الذي يمكن أن يبنى عليه سؤال عريض: ما هي البيئة التي يمكن أن يختارها «علي وجيه» لعمله القادم؟ وفي حقيقة الأمر هذا الاستناد وإن كان يحمل في صورة منه البحث عن حامل أساسي للحكاية يسهل عملية بنائها قصوراً للشكل الكلي، إلا أنه في الوقت ذاته يشير إلى وجود كاتب يصر على أن ينطلق بحكاياته من البيئات المهمشة والأكثر ضعفاً في المجتمع السوري والمحاصرة بالكثير من الصور النمطية التي لم يكن «علي وجيه» ربما منصفاً بالقدر الكافي ليظهر هذه البيئات وهي تحارب الصورة النمطية المأخوذة عنها، بل إنه ربما تورط من حيث لا يقصد بخلق صورة نمطية جديدة مثلاً عن «النباشين» بأنهم يُدارون من قبل مافيا، وعن «المتسولين» بوصفهم عناصر في جيوش من المتسولين يقودها قادة أو أمراء، وكان المشهد الذي يعلن فيه «الكف» ليُعلن عن نفسه زعيماً جديداً للملاهي بعد غياب «جبار» وكأنه ينصب نفسه «رئيساً لجمهورية الشحادين»، هذا في حد ذاته يأخذ الكثير من المعاني والتفسيرات التي تتناسب وثقافة كل متلقٍ على حدة. ​


يمكن القول بأن النص الذي كتبه «علي وجيه» كان من النصوص النادرة التي يمكن أن يكتبها السوريون بخلق شخصيات متكاملة تجيب عن ذاتها ومؤنسنة بالقدر الذي مكن مخرجة العمل «رشا شربتجي» من نقل هذه الشخصيات من المتخيل إلى المرئي مع اشتغال على الكثير من التفاصيل التي جعلت من هذا النص عملاً متماسكاً ومضبوطاً بدرجة عالية.


مقالات ذات صلة

رحيل الشاعر والناقد العراقي البارز مالك المطلبي بعد مسيرة أدبية حافلة

رحيل الشاعر والناقد العراقي البارز مالك المطلبي بعد مسيرة أدبية حافلة

رحل عن عالمنا اليوم الخميس، الشاعر والناقد العراقي البارز مالك المطلبي، عن
5
منصة نتفليكس تسعى لإقامة شراكة مع الأمير ويليام والأميرة كيت

نتفليكس تطلق مسلسل رعب وتسعى لإقامة شراكة مع الأميرين ويليام وكيت

أطلقت منصة نتفليكس مسلسل رعب وتسعى إلى  إقامة شراكة مع الأمير ويليام والأميرة كيت
15
دينا الشربيني تنطلق نحو الغناء مع الفنان "أبو" في "دقة ناقصة"

دينا الشربيني تنطلق نحو الغناء مع الفنان "أبو" في "دقة ناقصة"

أعلنت الفنانة دينا الشربيني عن خطوتها الفنية الجديدة نحو الغناء، من خلال تعاونها مع الفنان أبو في أغنية مرتقبة بعنوان "دقة ناقصة
23
طوني البايع يشيد بصوت كاريس بشار في بخمس أرواح.. ما سر نجاح سماهر؟

طوني البايع يشيد بصوت كاريس بشار في بخمس أرواح.. ما سر نجاح سماهر؟

أشاد طوني البايع بصوت الفنانة كاريس بشار التي قدمت اداء مميزا ولافتا في مسلسل بخمس أرواح بشخصية سماهر
24
يوتيوب تعيد أغنية "الله يجازيك" لمصطفى كامل بعد حذفها.. ما القصة؟

يوتيوب تعيد أغنية "الله يجازيك" لمصطفى كامل بعد حذفها.. ما القصة؟

تأتي أغنية "الله يجازيك" ضمن الموسم الغنائي القوي لمصطفى كامل
29
سيرياون إعلان 7