في الوقت الذي استبشر فيه آلاف المدرسين المتعاقدين في مختلف المحافظات السورية بقرارات تجديد عقودهم واستقرارهم الوظيفي، تقف فئة معلمي العقود لعام 2021 لصالح تربية إدلب أمام حائط مسدود من القرارات المتضاربة والتعطيل غير المبرر.
أكثر من أربعمئة معلم ومعلمة، يتوزعون بين اللاذقية ومختلف المناطق، يواجهون اليوم خطر التشريد الوظيفي بعد سنوات طويلة قضوها في سلك التعليم بعقود رسمية ومسابقات مركزية مؤشرة مالياً، وتزداد المأساة عمقاً أمام التضارب الإداري الحاصل بين قرارات وزارة التربية وتوجيهات الأمانة العامة وتصلّب الجهات المحلية في إدلب، ما جعل قضيتهم تتصدر الواجهة كإحدى أكثر الملفات التعليمية سخونة وجرحاً لمربي الأجيال.
صدمة التهميش والذرائع المتضاربة
تفتح الإفادات والشهادات الميدانية الباب على حجم الإجحاف الذي تعرض له المعلمون المنقولون والمسجلون لصالح تربية إدلب.
ففي تصريح خاص لـ Syria One، تروي المدرسة هدى(اسم مستعار)، المعيّنة ضمن عقود 2021 والمنقولة إلى اللاذقية، تفاصيل الرحلة الشاقة من الأمل إلى الخيبة، مبينة أن تعيينهم تم بناءً على مسابقة وزارية نظامية بشواغر حقيقية مؤشرة مالياً من الجهاز المركزي للرقابة المالية ورئاسة الوزراء، وتُوجت بقرار نقل جماعي ومكرمة من الرئيس أحمد الشرع لمراعاة ظروف المعلمين وتوزيعهم الجغرافي.
وتوضح هدى أن المعلمين التزموا بالقوانين وحين صدر قرار يتوجب فيه تقديم طلبات التجديد في محافظاتهم الأصلية، توجه الجميع مع بداية العام وجددوا عقودهم رسمياً حتى الثلاثين من حزيران، ولكن الصدمة تجلت بعد ذلك حين صُدرت قرارات التجديد والاستمرار لكافة المعلمين في جميع المحافظات الأخرى دون استثناء، بينما تم تجديد ومعاملة عقود إدلب بالنظام الشهري القاتل للاستقرار المعيشي، قبل أن تقف المعاملة تماماً وتتوقف القرارات بحجج واهية ومتضاربة تنوعت بين تعرض الموظف المكلف بالحسابات لحادث مروري، مروراً بالذرائع الأمنية، وصولاً إلى الادعاء المفاجئ لمديرية تربية إدلب والمحافظ بعدم وجود شواغر أو حاجة للمدرسين.
الحاجة الميدانية
هذه الادعاءات بتعذر الشواغر تفندها الميدانيات الواقعية والشهادات الصادمة الصادرة من قلب المحافظة نفسها، إذ يؤكد المدرس شادي(اسم مستعار) من مدينة خان شيخون التابعة لمحافظة إدلب عبر Syria One، أن معضلة معلمي العقود في إدلب عادت إلى الواجهة بشكل صارخ بعد أن أتم المعلمون كل الشروط القانونية المنصوص عليها وتجاوزوا مسابقة مركزية ثبتت بقرارات مالية منذ عام 2021 على عقد لمدة خمس سنوات يتبعه التثبيت الدائم وفق القانون رقم خمسين، ويتساءل الأستاذ شادي بحسرة كيف يجد معلم إدلب نفسه اليوم بعد أن أمضى عامه السادس في سلك التعليم، مرمياً على قارعة الطريق بلا وجه حق، في وقت جرى فيه تجديد عقود كافة المحافظات الأخرى التي تضم بالأساس أعداداً هائلة وفائضاً يقدر بالآلاف، مشدداً على حالة الاستهزاء والتخبط المشينة التي يتعرض لها مربو الأجيال، ومتسائلاً عن سر الغموض والإبهام الذي تتستر خلفه وزارة التربية ومديرية تربية إدلب، وعن المتسبب الحقيقي في حرمان المدرسين من حقوقهم المكتسبة قانوناً.
الحلول القانونية والواقع الميداني
أمّا على صعيد الواقع الميداني في اللاذقية وباقي المحافظات، تؤكد الأستاذة هدى أن الحلول القانونية والإدارية متوفرة ويسيرة ولا تحتاج سوى لإرادة حقيقية من الوزارة، فالاعتماد المالي للمعلمين المتعاقدين مؤشر وجاهز، ويمكن بقرار إداري نقل اعتماداتهم الماليّة من مديرية تربية إدلب إلى مديرية تربية اللاذقية أو وضعهم تحت تصرف الوزارة مباشرة في حال أصرت إدلب على عدم حاجتها لهم.
وتضيف هدى أن اللاذقية تضم نحو أربعمئة اسم لصالح إدلب يغطي معظمهم المدارس النامية والأرياف النائية، وأن عدم تجديد عقودهم سيفرغ مدارس أرياف الساحل تماماً من الكوادر التعليمية، خصوصاً أن موظفي التربية أنفسهم أكدوا حاجتهم الماسة لهؤلاء المدرسين ولعشرات الوكلاء غيرهم لمواجهة النقص الحاد ومواكبة إعادة تأهيل المدارس والمناطق المستعادة، متسائلة بغضب واستنكار كيف تعجز وزارة بأكملها عن فرض سلطتها وقراراتها الصريحة على مدير تربية أو محافظ، وكيف يستطيع مسؤول محلي تعطيل قرار الوزارة والأمانة العامة وإيقاف تجديد عقود مئات العائلات السورية المهددة في قوت يومها واستقرارها النفسي والوظيفي.
الاحتجاجات وأبواب الوزارة المغلقة
أمام هذه المماطلات والإجحاف الممنهج، لم يجد المعلمون بداً من تصعيد موقفهم الميداني لإيصال صوتهم إلى أعلى المستويات، فقد شهد يوم أمس وقفة احتجاجية حاشدة شارك فيها عشرات المدرسين والمدرسات المتعاقدين في ساحة الأمويين بالعاصمة دمشق، رفعت خلالها شعارات تطالب بالعدالة وتطالب بالالتزام بالمسابقات القانونية والتجديد أسوة بباقي المحافظات.
وعقب الوقفة، طُلب من المعلمين المحتجين التوجه إلى المبنى الرئيسي لوزارة التربية للقاء المسؤولين وإيجاد آذان صاغية تنهي معاناتهم، غير أن المشهد انتهى بانتكاسة وخيبة أمل صادمة، إذ سارع وزير التربية والمسؤولون للإخلاء والانسحاب عبر الأبواب الخلفية، موصدين الأبواب الرئيسية في وجوه المدرسين وتركهم يفترشون الأرصفة تحت ظروف قاسية وبلا إجابات تسكت قلقهم، بحسب ما أفاد أحد المعلمين المتواجدين هناك.
المطالب العاجلة والحل المستحق
يختتم المعلمون المتعاقدون لصالح تربية إدلب قضيتهم عبر منصة Syria One بمطالبة عاجلة ومباشرة لرئاسة الوزراء ووزارة التربية، تقتضي بإصدار قرار استثنائي وفوري بتجديد عقودهم كاملة ودون استثناء أو تقسيط شهري، ونقل اعتماداتهم المالية أو وضعهم تحت تصرف التربيات الشاغرة كتربية اللاذقية لسد النقص التعليمي الحاصل هناك، كما يطالبون بالخروج بتصريح رسمي شفاف يوضح أسباب هذا التعطيل ويقطع الطريق أمام التسجيلات المحبطة والشائعات التي تدمر استقرار الكوادر التعليمية، مشددين على أن فرحتهم لن تكتمل ولا العملية التعليمية ستستقيم ما لم يُنصف معلمو إدلب ويُعاد الاعتبار والكرامة لمن كرسوا سنوات عمرهم في خدمة أجيال سوريا.






